افكار

الأسس الثقافية للإستاطيقا : توظيف الصور المجازية في مدلول عاطفي لأغطية الأسرة

 

بقلم : كاثرين أ. سيرني

ترجمة : صالح الرزوق

** حدود التأويل

إن الافتراضات بعد الحداثية تعزو للتأويل مهمة الوساطة في معرفة علاقة الأشخاص بالعالم و وعيه له و ردود أفعالهم على الموضوعات الإستاطيقية  تاريخيا و ألسنيا . إن الوسائط التي تربط الأشخاص بظروفهم الاجتماعية  تعرّف من ناحية المفاهيم بعد أن تفسر الإيديولوجيا على أنها كولاج ثقافي.  و إن الاعتراف بما هو استاطيقي يستجيب للديالكتيك الذي يربط الأفراد و المغامرات الثقافية من أجل حل المعضلة التي تعاني منها الحياة الاجتماعية. و هنا يأتي دور الترميز ، الذي يؤسس للبنية التحتية لموروثنا الثقافي في تبديد الغموض من التداخلات المعقدة بين المعاني التي ، بدورها ، ترتبط بثقافتهم و تمنح معنى لأداء الأفراد و وظائفهم.

 ** الكولاج الثقافي

تحض سوزان كايسير ( 1990 ) المختصين بعلم جمال الأزياء على الاعتراف بالظروف المرافقة للتطورات بعد الحداثية ، و ترى أنها بدلت من فهمنا لوظائف الأزياء الجميلة في المجتمع الأمريكي ابتداء من أواخر القرن العشرين. و أكدت أن الشعوب تتجاوب مع الثقافة الجماهيرية من أجل إنتاج أنماط ذات أبعاد شخصية في النعوت و في اختيار الثياب ، و ذلك من خلال مفهوم متطور لإدارة المظهر ( و تشكيل أو إبداع ) الذات. و تصف كايسير ( 1990 ) هذا التعبير الشخصاني على أنه كولاج :

و هذه مفردة فرنسية تعني " اصنعها بيدك " ، و ذلك بتحقيق حلول للمعضلات القائمة ،إما بفحص أو استخدام أو ربط الإشارات الثقافية بطريقة غير مقصودة أصلا (ص 468 ).

إن إعادة قراءة ليفي شتراوس ( للكولاج ) يؤكد ضرورة النظر عن قرب إلى السياق الميثولوجي للخطاب الثقافي من أجل فهم أثر معانيه. و بتطبيق مفهوم ليفي شتراوس على البنية التحتية للثقافة الأمريكية  يحوز مفهومه للكولاج على سياق إيديولوجي و ثقافي : فالإيديولوجيا يمكن مقارنتها مع التفكير الأسطوري. كلاهما يخدم الأهداف النمطية للمنطق ، أو نظام تفسير و تأويل المقولات ، و الذي بواسطته يجد فهمنا للواقع رابطا مع البنية. إن الإيديولوجيا " تحاول أن تحل التناقضات الاجتماعية " ، و لكن الميثولوجيا " تحاول أن تحل تناقضات الطبيعة " ( لاريف ، نقلا عن نوث ، 1990 ، ص 378 ). و هذان الأسلوبان يفسران التقاليد المتبعة في صناعة أغطية الأسرة إلى درجة يصبح فيها الصانع لهذه الأغطية  ذا وجود واع ( من وجهة نظر بنيوية تكوينية ) ، و ذلك ضمن تضاد معرّف ثقافيا.

 لقد أشار ليفي شتراوس ( 1996 ) إلى التفكير الأسطوري على أنه شكل من أشكال " الكولاج النخبوي " . و كما هي الحال في العلم ، إنه يقدم لنا المعرفة التي يلاحظها و يرتبها الـ " سيستام " . و لكن بعكس العلوم ، إن التأويل الأسطوري للواقع ( و بالاستطراد الإيديولوجي ) يبدو عشوائيا ، و غير عقلاني ، و من غير أسانيد في عالم الحقائق. إن هذه التفسيرات تحت الضغط أصلا و لكنها مدعمة بالكولاج المحدود و غير المتجانس و الذي يعبر عن تاريخ لحضارة ثقافية : إن المعاني الجديدة ، التي تتطرق لأحداث أو موضوعات تتشكل في المكان و داخل حدود هذا التاريخ و بالعلاقة مع فحوى مواصفاتها الأساسية  ضمن النظام السيميائي  ، ليست بحاجة لنسخ الأنماط و العلاقات التاريخية.

 هذه الإشارات ذاتها تفاعلية . و مع أن الإشارات تقتبس من المخزون العميق و الأصيل للمعرفة و الذي يتكون باستمرار ضمن الحياة الاجتماعية ، تكون المعاني الجديدة : هي من عواقب التأويلات العشوائية ، و التي تتناسب طرديا مع فحواها الممكن ، و بالعلاقة مع التناقضات الحالية و الغموض و التقابل ، عوضا عن إعادة تصوير التطور المنطقي للأشكال أو الأفكار و على امتداد العصور المتعاقبة.

 إن فكرة ليفي شتراوس عن الكولاج يمكن تطبيقها على الحياة الاجتماعية لما بعد الحداثة . و فهم معنى غطاء البنية التحتي لأمريكا المعاصرة يمكن تطويره بإقرار دور المرأة في صناعة هذا الغطاء و بالاستناد إلى مرجعياتها. و هي مفاهيم تقليدية عن الهوية المؤنثة و درها في المجتمع. و قد اعتبرت لاسانسكي ( 1988 ) صناعة الأغطية المعاصرة خدعة جديدة تستر الوجه الحقيقي لحركة انبعاث الاستعمار.

و ذكرت أن الماضي الاستعماري كان محترما لأنه "  ثقفنا ، و أصلّنا ، و حررنا ، و أقرضنا  لوازم تنفع في بناء الشخصية " ( ص 97 ) . و اعتبر غان ( 1993 ) أن أسطورة غطاء السرير التي اجتاحت القرن لعشرين هي ظاهرة تاريخية منحها التوثيق عنفوانا إضافيا. و كذلك بينت ويليامز ( 1992 ) في دراستها التي قدمتها في منتدى إنديانا ، أن بمقدور صناع الأغطية ربط مفهومهم عن الذات بالممارسات الصناعية المعاصرة. و إن استخدام الغطاء يوثق الصلة بين " الحياة و العواطف " و يعيد إلى الأذهان " صورا تراثية عن دور المرأة و عمل النساء " ( ص 137 ) . و في نفس الوقت قالت لانغيلير (  1991 ) في دراستها المقدمة إلى نادي ماين لأغطية الأسرة أن صناعة الأغطية تقوي من دور الهوية المؤنثة ، هوية " تعدل من المعاني السائدة للأنوثة و لا ترفضها ". و هذا في ضوء " تبدل دور المرأة في المجتمع و التبدل الطارئ على الثقافة الخاصة بصناعة الأغطية " ( ص 49 ) . و إنه بتمحيص أدبيات صناعة الأغطية ( المجلات و الكتب المهتمة بغطاء السرير ) ، و نشاطات النوادي ذات العلاقة ( العروض و الندوات و البرامج ) تجد الأسس الإيديولوجية  لتراث الأغطية ، مع الأفكار الجديدة الوافدة و التقنيات و المعاني و فرص العمل التي تعكس صورة المجتمع المتبدل ( انظر أيضا : لانغيلير، 1993 ، و يليامز ، 1992 ).

 ** التلاعب بالرموز

 توظف الشعوب الثقافة الوضعية في البنية العامة ( باعتبار أنها سيستام من المعاني المتداخلة ) لإنتاج معنى عن الذات و عن العالم المجاور ( غيرتز ، 1973 – سبرادلي ، 1979 ). و قد خلق ذلك شيئا من التحدي للباحثين فيما يخص العناصر السيميائية للمجتمع ، و لا سيما اللغة. على أية حال ، و حسب  رأي ليفي شتراوس عن الثقافة ، إن السبيل المتاح إلى عالم المفاهيم للأفراد يمر عبر اللغة ، و هذا لن تنجم عنه علاقات مباشرة أو تأويلات بسيطة للمعاني. و كان جيمس فيرنانديز ( 1991 ) قال : نحن نعيش في عصر القيمة المرجعية لللغة ، فهي تمدنا بصورة دقيقة و شفافة للأشياء في الواقع ، و هذا ندعوه " الإدراك المجرد " ، و لكن ذلك أصبح عرضة للتتساؤلات ، بعد أن أدركنا أهمية الأدوات الاستعارية ، و التي مكانها في جوهر الخطاب ، فهي تعرّف الموقف و تؤسس لإحساسنا بما هو واقعي و موضوعي ، إنها لذلك مؤهلة ( و بقوة المداخلات الترميزية التي نستخدمها ) للمعاناة من عواقب واقعية.

إن مفرات اللغة عبارة عن إشارات و علاقات عشوائية بين صور صوتية ( هي الدوال ) و المفاهيم ( أو المدلولات – سوسير ، 1916 / 1983 ). و لكن المعاني ، في ضوء رؤيتنا للكولاج التثاقفي ، هي صيغة أشد تعقيدا.

إن الترميز أو أدوات التصوير غير المباشر ، مثل الاستعارة ، يساعد على ترتيب العلاقات المعقدة و المتبدلة للإشارت التي نلاحظها في الخطاب  و السلوك و الموضوعات في الحياة الاجتماعية. و قد بين لاكوف و جونسون ( 1980 – انظر أيضا ، جونسون ، 1987  ، لاكوف 1987) الطبيعة الواهية للعلاقات الاستعارية و كأنها إطار لنظام استعاري به يفهم الأفراد عالم الوقائع . و قد وظف الأنتروبولوجيون و مؤرخو الفنون ( أدامز ، 1975 ، نيش ، 1982 ، نانلي ، 1981 ، شفارتز ، 1979 ، تورنير ، 1980 ) الاستعارة لتعريف فحوى الدرسات النسيجية و الثياب في الثقافة. و أشارا إلى توازيات بين شكل الموضوع  و النظام الاجتماعي الذي يؤسس لفحوى و مضمون الموضوع. و ذكر ليفي شتراوس ( 1966 ) أن التواصل بين الحياة و الإيديولوجيا موجود على مستوى الموضع الذي يتقاطع فيه الأفراد مع  إدراكاتهم  :

فالعواطف الإستاطيقية هي نتيجة لهذا الاتحاد بين النظام البنيوي و نظام الوقائع، و هذا يتحقق فعلا في شيء يصنعه الإنسان أو يلاحظه.  إن المدرك للأشياء يكتشف فيه إمكانية مثل هذا الاتحاد من خلال سيرورة وجحراك الوعي الفني ( ص 25 ) .

إن فهم المدرك للأشياء في الواقع ، كما تقدمه لنا الثقافة ، لا يخبرنا فقط عن صناعة و استخدام الموضع فقط ، و لكنه يشكل ، أيضا ، اهتماماته. و كان نوث (1990 ) أكد أن تعريف الاستعارة في معجم ويبستر الثالث ، قد استند إلى مفاتيح معيارية لها وجود في عالم التطبيقات اليومية ( الاستخدام الشائع للمفردات ) . إن الاستعارة هي : صورة كلامية و بها تشير المفردة أو العبارة إلى نوع من الموضوعات أو الأفعال التي تستخدم في مجال الآخر و ذلك على سبيل التشابه أو المماثلة بين الطرفين ( ص 128 ).

إن الترابطات الاستعارية في مجال أغطية الأسرة بما هي ظاهرة تاريخية تستند على التشابه بين أجزاء و مكونات الأغطية التي ساهمت فيها مواد متنوعة و مختلفة ، و تاريخ قوامه حكايات متشعبة تصف لنا حياة المرأة. و إن الخلافات بين المختصين حول التطبيقات السيميائية للاستعارة كانت عميقة (انظر فيرنانديز ، 1974 ، جونسون ، 1981 ، ريكور ، 1981 ) . و إنه بالإقرار بالتماثلات بين المجتمع و الأفراد نحن نوسع فهمنا للاستعارة. و انطلاقا من بحوث بيشيري ( 1988 ) قال تيريفس تورنير ( 1991 ) إن الاستعارات : " تعتمد على حياة أقوى و أوسع و هي أعمق و أكثر مركزية في معانيها بما يخص النظام الذي نشأت منه " ( ص 129 ).

و يشير هذا الرأي ضمنا إلى أن الاستعارة ليست كيانا معرفيا معزولا أو بنية متعالية ، و لكنها ، أي ، الاستعارة من شأن جميع الأشكال الترميزية و غير الترميزية " يمكن لها أن تغطي أو أن تتبادل الأدوار بخصوص استجابتها للتبدلات بحد ذاتها ( أي أنها ذات سياق متحرك و ثابت بالعلاقة مع الزمن : تزامني و تزمني ) ( ص 129 ) . و ربما بالاستجابة إلى حراك التبدل الاجتماعي للمجتمع  بعد الحداثي بمقدور الاستعارة أن تعكس المعنى المباشر للوقائع و تقدم طريقة بها يترابط المساهمون في النشاط الاجتماعي.

إن الاستعارة تعمل بالتوافق مع أشكال مجازية أخرى ، مثل الكناية و المجاز المرسل. إنهما معا يتألفان من أفعال مجازية ، هي من خلال تداعياتها و علاقاتها مع الصور تعرّف العمل الفردي و تربط الأفراد بالحياة الاجتماعية. فالكناية تشير إلى أن معنى الموضوع يعرّف من خلال استبدال يأتي من علاقة عابرة مع عالم الظواهر ( الموضوعات أو الأشياء ، النشاطات ) و الذي يرتكز أساسا على علاقات شائعة. ( إيكو ، 1979 ، ص 280 – 281 ) . و هذا قد يتضمن " استبدال اسم شيء ، اسم مشارك معه ، أو شيء تربطه به علاقة متينة ) " ( قاموس أكسفورد ، 1989 ، الجزء 17 ، ص 696 ).

مثلا إن أجزاء من الجسم ( كاليد و القلب ) يمكن استخدامها لتصوير مواصفات معينة تدل على الشخصية ( كالمهارة في الحرفة ، أو الاهتمام ...). إن الجسم و الشخصية مفهومان مستقلان و مع ذلك إنهما يتواجدان في إطار مكاني متواصل. و المجاز المرسل يشبه الكناية. فهو يدل على معنى شيء يمكن تعريفه بالاستبدال مع ظاهرة أخرى تشترك معه في نفس معنى المضمون ( إيكو ، 1979 ، ص 28 – 281 ) . و هذا قد يتضمن استبدال : " عنصر أكثر تفصيلا .. بعنصر أقل تفصيلا أو العكس. كأن ندل على الكل بالجزء أو على الجزء بالكل أو على الجنس بالنوع أو النوع بالجنس ... و هكذا ... " ( قاموس أكسفورد 1989 ، الجزء 9 ، ص 478 ).

نحن نستبدل الموقد بالبيت ، بقصد مزيد من الخيال التصويري ( الموقد الملتهب بمعنى العلاقات الدافئة بين أفراد العائلة ، أولئك الذين  يستقرون في البيت و يجتمعون حول الموقد ). و ذكر تورنير ( 1991 ) كيف أن المجاز المرسل يساهم في الترميز ، فالمجاز المرسل يصور : " علاقات خاصة بين الكناية و الاستعارة ، كما هي الحال في علاقة الجزء بالكل ( علاقة كنائية ).. إنها في نفس الوقت تكرر الصورة الشاملة ( علاقات استعارية ) ( ص 148 ) . و إن معنى الأمثلة السابقة تتداخل على المستوى التصويري و الاستعاري العام. و هذا يساعد على توصيل الرسالة الكامنة في غطاء السرير و هي الدفء. إنه من أثاث المنزل و يضفي على المرأة معنى الراحة و الحياة العائلية القوية التي لا تنكسر.

إن الاستعارة و الكناية و المجاز المرسل تتداخل في استبدالاتها الإيديولوجية و الذهنية. و قد ذكر تورنير  ( 1991 )  : إن المجاز و البنية الثقافية يتكونان من خلال " النشاطات المجازية " ، إنها سيرورة ديالكتيكية حيث أن المعنى الشامل للكل يتشكل في وقت واحد و كأجزاء من شمولية أوسع يمكن لها أن تتمايز إلى وحدات نمطية جديدة  و منفصلة تربط بين أجزائها علاقات أخرى. إنه ليس المعنى وحده الذي يتحقق في سيرورة من هذا النوع و من خلال التقاطع بين مجازات مستقلة ، و لكن العناصر الرمزية ذاتها أيضا.. صور لها قدرات مجازية أخرى و بمستويات أخرى من بنية لها نفس السلوك  الأسطوري  أو أنها تتبنى أنماطا أخرى لتكوين المعاني ( ص 150 ). إن تعريف تقاطعات الاستعارة و الكناية و المجاز المرسل في أدبيات صناعة أغطية الأسرة توفر لنا الفرصة لتفكيك تراث هذه الأغطية و عزل موضوعات أسطورية متكررة ...

 كاثرين أ. سيرني  - معهد فيرجينيا الجامعي و جامعة فيرجينيا الحكومية

 ** المصدر الأصلي :

 **  Aesthetics Of Textiles and Clothing: Advancing Multi – Disciplinary Perspectives  , Marilyn Revell DeLong & Ann Marie Fiore (eds.) ITAA Special Publication. #7, 1994, part 3. p.p. 152 – 162 .

 

 

 

ترجمة : صالح الرزوق - 2007

 





الصفحة الأخيرة | صفحة 1 من 7 | الصفحة التالبة


موسوعة و مكتبة دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل



موسوعة و مكتبة دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل