افكار

الأسس الثقافية للإستاطيقا : توظيف الصور المجازية في مدلول عاطفي لأغطية الأسرة

 

بقلم : كاثرين أ. سيرني

ترجمة : صالح الرزوق

** حدود التأويل

إن الافتراضات بعد الحداثية تعزو للتأويل مهمة الوساطة في معرفة علاقة الأشخاص بالعالم و وعيه له و ردود أفعالهم على الموضوعات الإستاطيقية  تاريخيا و ألسنيا . إن الوسائط التي تربط الأشخاص بظروفهم الاجتماعية  تعرّف من ناحية المفاهيم بعد أن تفسر الإيديولوجيا على أنها كولاج ثقافي.  و إن الاعتراف بما هو استاطيقي يستجيب للديالكتيك الذي يربط الأفراد و المغامرات الثقافية من أجل حل المعضلة التي تعاني منها الحياة الاجتماعية. و هنا يأتي دور الترميز ، الذي يؤسس للبنية التحتية لموروثنا الثقافي في تبديد الغموض من التداخلات المعقدة بين المعاني التي ، بدورها ، ترتبط بثقافتهم و تمنح معنى لأداء الأفراد و وظائفهم.

 ** الكولاج الثقافي

تحض سوزان كايسير ( 1990 ) المختصين بعلم جمال الأزياء على الاعتراف بالظروف المرافقة للتطورات بعد الحداثية ، و ترى أنها بدلت من فهمنا لوظائف الأزياء الجميلة في المجتمع الأمريكي ابتداء من أواخر القرن العشرين. و أكدت أن الشعوب تتجاوب مع الثقافة الجماهيرية من أجل إنتاج أنماط ذات أبعاد شخصية في النعوت و في اختيار الثياب ، و ذلك من خلال مفهوم متطور لإدارة المظهر ( و تشكيل أو إبداع ) الذات. و تصف كايسير ( 1990 ) هذا التعبير الشخصاني على أنه كولاج :

و هذه مفردة فرنسية تعني " اصنعها بيدك " ، و ذلك بتحقيق حلول للمعضلات القائمة ،إما بفحص أو استخدام أو ربط الإشارات الثقافية بطريقة غير مقصودة أصلا (ص 468 ).

إن إعادة قراءة ليفي شتراوس ( للكولاج ) يؤكد ضرورة النظر عن قرب إلى السياق الميثولوجي للخطاب الثقافي من أجل فهم أثر معانيه. و بتطبيق مفهوم ليفي شتراوس على البنية التحتية للثقافة الأمريكية  يحوز مفهومه للكولاج على سياق إيديولوجي و ثقافي : فالإيديولوجيا يمكن مقارنتها مع التفكير الأسطوري. كلاهما يخدم الأهداف النمطية للمنطق ، أو نظام تفسير و تأويل المقولات ، و الذي بواسطته يجد فهمنا للواقع رابطا مع البنية. إن الإيديولوجيا " تحاول أن تحل التناقضات الاجتماعية " ، و لكن الميثولوجيا " تحاول أن تحل تناقضات الطبيعة " ( لاريف ، نقلا عن نوث ، 1990 ، ص 378 ). و هذان الأسلوبان يفسران التقاليد المتبعة في صناعة أغطية الأسرة إلى درجة يصبح فيها الصانع لهذه الأغطية  ذا وجود واع ( من وجهة نظر بنيوية تكوينية ) ، و ذلك ضمن تضاد معرّف ثقافيا.

 لقد أشار ليفي شتراوس ( 1996 ) إلى التفكير الأسطوري على أنه شكل من أشكال " الكولاج النخبوي " . و كما هي الحال في العلم ، إنه يقدم لنا المعرفة التي يلاحظها و يرتبها الـ " سيستام " . و لكن بعكس العلوم ، إن التأويل الأسطوري للواقع ( و بالاستطراد الإيديولوجي ) يبدو عشوائيا ، و غير عقلاني ، و من غير أسانيد في عالم الحقائق. إن هذه التفسيرات تحت الضغط أصلا و لكنها مدعمة بالكولاج المحدود و غير المتجانس و الذي يعبر عن تاريخ لحضارة ثقافية : إن المعاني الجديدة ، التي تتطرق لأحداث أو موضوعات تتشكل في المكان و داخل حدود هذا التاريخ و بالعلاقة مع فحوى مواصفاتها الأساسية  ضمن النظام السيميائي  ، ليست بحاجة لنسخ الأنماط و العلاقات التاريخية.

 هذه الإشارات ذاتها تفاعلية . و مع أن الإشارات تقتبس من المخزون العميق و الأصيل للمعرفة و الذي يتكون باستمرار ضمن الحياة الاجتماعية ، تكون المعاني الجديدة : هي من عواقب التأويلات العشوائية ، و التي تتناسب طرديا مع فحواها الممكن ، و بالعلاقة مع التناقضات الحالية و الغموض و التقابل ، عوضا عن إعادة تصوير التطور المنطقي للأشكال أو الأفكار و على امتداد العصور المتعاقبة.

 إن فكرة ليفي شتراوس عن الكولاج يمكن تطبيقها على الحياة الاجتماعية لما بعد الحداثة . و فهم معنى غطاء البنية التحتي لأمريكا المعاصرة يمكن تطويره بإقرار دور المرأة في صناعة هذا الغطاء و بالاستناد إلى مرجعياتها. و هي مفاهيم تقليدية عن الهوية المؤنثة و درها في المجتمع. و قد اعتبرت لاسانسكي ( 1988 ) صناعة الأغطية المعاصرة خدعة جديدة تستر الوجه الحقيقي لحركة انبعاث الاستعمار.

و ذكرت أن الماضي الاستعماري كان محترما لأنه "  ثقفنا ، و أصلّنا ، و حررنا ، و أقرضنا  لوازم تنفع في بناء الشخصية " ( ص 97 ) . و اعتبر غان ( 1993 ) أن أسطورة غطاء السرير التي اجتاحت القرن لعشرين هي ظاهرة تاريخية منحها التوثيق عنفوانا إضافيا. و كذلك بينت ويليامز ( 1992 ) في دراستها التي قدمتها في منتدى إنديانا ، أن بمقدور صناع الأغطية ربط مفهومهم عن الذات بالممارسات الصناعية المعاصرة. و إن استخدام الغطاء يوثق الصلة بين " الحياة و العواطف " و يعيد إلى الأذهان " صورا تراثية عن دور المرأة و عمل النساء " ( ص 137 ) . و في نفس الوقت قالت لانغيلير (  1991 ) في دراستها المقدمة إلى نادي ماين لأغطية الأسرة أن صناعة الأغطية تقوي من دور الهوية المؤنثة ، هوية " تعدل من المعاني السائدة للأنوثة و لا ترفضها ". و هذا في ضوء " تبدل دور المرأة في المجتمع و التبدل الطارئ على الثقافة الخاصة بصناعة الأغطية " ( ص 49 ) . و إنه بتمحيص أدبيات صناعة الأغطية ( المجلات و الكتب المهتمة بغطاء السرير ) ، و نشاطات النوادي ذات العلاقة ( العروض و الندوات و البرامج ) تجد الأسس الإيديولوجية  لتراث الأغطية ، مع الأفكار الجديدة الوافدة و التقنيات و المعاني و فرص العمل التي تعكس صورة المجتمع المتبدل ( انظر أيضا : لانغيلير، 1993 ، و يليامز ، 1992 ).

 ** التلاعب بالرموز

 توظف الشعوب الثقافة الوضعية في البنية العامة ( باعتبار أنها سيستام من المعاني المتداخلة ) لإنتاج معنى عن الذات و عن العالم المجاور ( غيرتز ، 1973 – سبرادلي ، 1979 ). و قد خلق ذلك شيئا من التحدي للباحثين فيما يخص العناصر السيميائية للمجتمع ، و لا سيما اللغة. على أية حال ، و حسب  رأي ليفي شتراوس عن الثقافة ، إن السبيل المتاح إلى عالم المفاهيم للأفراد يمر عبر اللغة ، و هذا لن تنجم عنه علاقات مباشرة أو تأويلات بسيطة للمعاني. و كان جيمس فيرنانديز ( 1991 ) قال : نحن نعيش في عصر القيمة المرجعية لللغة ، فهي تمدنا بصورة دقيقة و شفافة للأشياء في الواقع ، و هذا ندعوه " الإدراك المجرد " ، و لكن ذلك أصبح عرضة للتتساؤلات ، بعد أن أدركنا أهمية الأدوات الاستعارية ، و التي مكانها في جوهر الخطاب ، فهي تعرّف الموقف و تؤسس لإحساسنا بما هو واقعي و موضوعي ، إنها لذلك مؤهلة ( و بقوة المداخلات الترميزية التي نستخدمها ) للمعاناة من عواقب واقعية.

إن مفرات اللغة عبارة عن إشارات و علاقات عشوائية بين صور صوتية ( هي الدوال ) و المفاهيم ( أو المدلولات – سوسير ، 1916 / 1983 ). و لكن المعاني ، في ضوء رؤيتنا للكولاج التثاقفي ، هي صيغة أشد تعقيدا.

إن الترميز أو أدوات التصوير غير المباشر ، مثل الاستعارة ، يساعد على ترتيب العلاقات المعقدة و المتبدلة للإشارت التي نلاحظها في الخطاب  و السلوك و الموضوعات في الحياة الاجتماعية. و قد بين لاكوف و جونسون ( 1980 – انظر أيضا ، جونسون ، 1987  ، لاكوف 1987) الطبيعة الواهية للعلاقات الاستعارية و كأنها إطار لنظام استعاري به يفهم الأفراد عالم الوقائع . و قد وظف الأنتروبولوجيون و مؤرخو الفنون ( أدامز ، 1975 ، نيش ، 1982 ، نانلي ، 1981 ، شفارتز ، 1979 ، تورنير ، 1980 ) الاستعارة لتعريف فحوى الدرسات النسيجية و الثياب في الثقافة. و أشارا إلى توازيات بين شكل الموضوع  و النظام الاجتماعي الذي يؤسس لفحوى و مضمون الموضوع. و ذكر ليفي شتراوس ( 1966 ) أن التواصل بين الحياة و الإيديولوجيا موجود على مستوى الموضع الذي يتقاطع فيه الأفراد مع  إدراكاتهم  :

فالعواطف الإستاطيقية هي نتيجة لهذا الاتحاد بين النظام البنيوي و نظام الوقائع، و هذا يتحقق فعلا في شيء يصنعه الإنسان أو يلاحظه.  إن المدرك للأشياء يكتشف فيه إمكانية مثل هذا الاتحاد من خلال سيرورة وجحراك الوعي الفني ( ص 25 ) .

إن فهم المدرك للأشياء في الواقع ، كما تقدمه لنا الثقافة ، لا يخبرنا فقط عن صناعة و استخدام الموضع فقط ، و لكنه يشكل ، أيضا ، اهتماماته. و كان نوث (1990 ) أكد أن تعريف الاستعارة في معجم ويبستر الثالث ، قد استند إلى مفاتيح معيارية لها وجود في عالم التطبيقات اليومية ( الاستخدام الشائع للمفردات ) . إن الاستعارة هي : صورة كلامية و بها تشير المفردة أو العبارة إلى نوع من الموضوعات أو الأفعال التي تستخدم في مجال الآخر و ذلك على سبيل التشابه أو المماثلة بين الطرفين ( ص 128 ).

إن الترابطات الاستعارية في مجال أغطية الأسرة بما هي ظاهرة تاريخية تستند على التشابه بين أجزاء و مكونات الأغطية التي ساهمت فيها مواد متنوعة و مختلفة ، و تاريخ قوامه حكايات متشعبة تصف لنا حياة المرأة. و إن الخلافات بين المختصين حول التطبيقات السيميائية للاستعارة كانت عميقة (انظر فيرنانديز ، 1974 ، جونسون ، 1981 ، ريكور ، 1981 ) . و إنه بالإقرار بالتماثلات بين المجتمع و الأفراد نحن نوسع فهمنا للاستعارة. و انطلاقا من بحوث بيشيري ( 1988 ) قال تيريفس تورنير ( 1991 ) إن الاستعارات : " تعتمد على حياة أقوى و أوسع و هي أعمق و أكثر مركزية في معانيها بما يخص النظام الذي نشأت منه " ( ص 129 ).

و يشير هذا الرأي ضمنا إلى أن الاستعارة ليست كيانا معرفيا معزولا أو بنية متعالية ، و لكنها ، أي ، الاستعارة من شأن جميع الأشكال الترميزية و غير الترميزية " يمكن لها أن تغطي أو أن تتبادل الأدوار بخصوص استجابتها للتبدلات بحد ذاتها ( أي أنها ذات سياق متحرك و ثابت بالعلاقة مع الزمن : تزامني و تزمني ) ( ص 129 ) . و ربما بالاستجابة إلى حراك التبدل الاجتماعي للمجتمع  بعد الحداثي بمقدور الاستعارة أن تعكس المعنى المباشر للوقائع و تقدم طريقة بها يترابط المساهمون في النشاط الاجتماعي.

إن الاستعارة تعمل بالتوافق مع أشكال مجازية أخرى ، مثل الكناية و المجاز المرسل. إنهما معا يتألفان من أفعال مجازية ، هي من خلال تداعياتها و علاقاتها مع الصور تعرّف العمل الفردي و تربط الأفراد بالحياة الاجتماعية. فالكناية تشير إلى أن معنى الموضوع يعرّف من خلال استبدال يأتي من علاقة عابرة مع عالم الظواهر ( الموضوعات أو الأشياء ، النشاطات ) و الذي يرتكز أساسا على علاقات شائعة. ( إيكو ، 1979 ، ص 280 – 281 ) . و هذا قد يتضمن " استبدال اسم شيء ، اسم مشارك معه ، أو شيء تربطه به علاقة متينة ) " ( قاموس أكسفورد ، 1989 ، الجزء 17 ، ص 696 ).

مثلا إن أجزاء من الجسم ( كاليد و القلب ) يمكن استخدامها لتصوير مواصفات معينة تدل على الشخصية ( كالمهارة في الحرفة ، أو الاهتمام ...). إن الجسم و الشخصية مفهومان مستقلان و مع ذلك إنهما يتواجدان في إطار مكاني متواصل. و المجاز المرسل يشبه الكناية. فهو يدل على معنى شيء يمكن تعريفه بالاستبدال مع ظاهرة أخرى تشترك معه في نفس معنى المضمون ( إيكو ، 1979 ، ص 28 – 281 ) . و هذا قد يتضمن استبدال : " عنصر أكثر تفصيلا .. بعنصر أقل تفصيلا أو العكس. كأن ندل على الكل بالجزء أو على الجزء بالكل أو على الجنس بالنوع أو النوع بالجنس ... و هكذا ... " ( قاموس أكسفورد 1989 ، الجزء 9 ، ص 478 ).

نحن نستبدل الموقد بالبيت ، بقصد مزيد من الخيال التصويري ( الموقد الملتهب بمعنى العلاقات الدافئة بين أفراد العائلة ، أولئك الذين  يستقرون في البيت و يجتمعون حول الموقد ). و ذكر تورنير ( 1991 ) كيف أن المجاز المرسل يساهم في الترميز ، فالمجاز المرسل يصور : " علاقات خاصة بين الكناية و الاستعارة ، كما هي الحال في علاقة الجزء بالكل ( علاقة كنائية ).. إنها في نفس الوقت تكرر الصورة الشاملة ( علاقات استعارية ) ( ص 148 ) . و إن معنى الأمثلة السابقة تتداخل على المستوى التصويري و الاستعاري العام. و هذا يساعد على توصيل الرسالة الكامنة في غطاء السرير و هي الدفء. إنه من أثاث المنزل و يضفي على المرأة معنى الراحة و الحياة العائلية القوية التي لا تنكسر.

إن الاستعارة و الكناية و المجاز المرسل تتداخل في استبدالاتها الإيديولوجية و الذهنية. و قد ذكر تورنير  ( 1991 )  : إن المجاز و البنية الثقافية يتكونان من خلال " النشاطات المجازية " ، إنها سيرورة ديالكتيكية حيث أن المعنى الشامل للكل يتشكل في وقت واحد و كأجزاء من شمولية أوسع يمكن لها أن تتمايز إلى وحدات نمطية جديدة  و منفصلة تربط بين أجزائها علاقات أخرى. إنه ليس المعنى وحده الذي يتحقق في سيرورة من هذا النوع و من خلال التقاطع بين مجازات مستقلة ، و لكن العناصر الرمزية ذاتها أيضا.. صور لها قدرات مجازية أخرى و بمستويات أخرى من بنية لها نفس السلوك  الأسطوري  أو أنها تتبنى أنماطا أخرى لتكوين المعاني ( ص 150 ). إن تعريف تقاطعات الاستعارة و الكناية و المجاز المرسل في أدبيات صناعة أغطية الأسرة توفر لنا الفرصة لتفكيك تراث هذه الأغطية و عزل موضوعات أسطورية متكررة ...

 كاثرين أ. سيرني  - معهد فيرجينيا الجامعي و جامعة فيرجينيا الحكومية

 ** المصدر الأصلي :

 **  Aesthetics Of Textiles and Clothing: Advancing Multi – Disciplinary Perspectives  , Marilyn Revell DeLong & Ann Marie Fiore (eds.) ITAA Special Publication. #7, 1994, part 3. p.p. 152 – 162 .

 

 

 

ترجمة : صالح الرزوق - 2007

 

طبيعة التفكير عند الشعوب البدائية

 أ.د.علي أسعد وطفة

تحمل لفظة البدائي والبدائية شحنة من الدلالة السلبية التي نسقطها على من يتصف بها. وتجري العادة على وصف سلوك ما بأنه سلوك بدائي عندما يراد ازدراء هذا السلوك ورفضه. وقد يوصف شخص بالبدائي لأنه لا يرتقي إلى المستوى الحضاري للسلوك الإنساني الذي يتصف بطابع السمو والرقي. وغالباً ما تستخدم كلمة بدائي للدلالة على التوحش والوحشية، والتوحش هو حالة سابقة على الحالة الإنسانية الثقافية بما تنطوي عليه هذه الحالة من سمو وتحضر. فكلمة متوحش رديفة لكلمة بدائي وكلاهما تعبران عن حقيقة واحدة تتمثل في غياب المعيار الحضاري للسلوك الإنساني بمقاييسنا الثقافية المعاصرة. والبدائية هي أدنى مستويات السلوك الإنساني وأقربها إلى أنماط السلوك التي نجدها في عالم الحيوانات الأدنى في النوع من الإنسان.‏

تجري عادة أغلب المؤرخين وصف أحوال الشعوب جداً في التاريخ ـ أي هذه التي عاشت قبل ظهور الكتابة ـ بالشعوب البدائية أو الهمجية أو البربرية تأكيداً للأنماط السلوكية الأكثر قرابة وتجانساً مع هذه التي نجدها في عالم الحيوانات والثدييات العليا دون الإنسان. ويراد بهذا الوصف أن هذه الشعوب كانت تنتهج نهجاً لا يرتقي إلى معايير السلوك الإنساني المتحضر الذي عرفته الإنسانية مع تشكل الحضارات وظهور الثقافات المتقدمة.‏

وعلى خلاف هذا التوجه في تسمية الشعوب القديمة يرفض عدد من المؤرخين استخدام هذه التسميات الجارحة التي تحمل طابعاً أخلاقياً فيه ازدراء واحتقار معلن لهذه الشعوب وأساليبها في العيش والوجود والتكيف. ويلح هؤلاء المؤرخون على تسمية هذه الشعوب بالشعوب ما قبل تاريخية أي الشعوب التي عاشت قبل اكتشاف التدوين والكتابة. فالإنسان في هذه المرحلة كان مكرهاً على العيش في عالم وحشي جداً ومدمر جداً بأدوات بسيطة وهو في مسار صراعه مع الطبيعة والبيئة وغوائل الوجود كان مكرهاً أن يتحدى وحشية الطبيعة بما تقتضيه هذه الوحشية من مقدرة وقدرة واقتدار. وإذا كان الإنسان ما قبل التاريخ يتصف بالقوة والجبروت والشدة والبأس ويستخدم كل ما لديه من طاقة وقوة في سبيل المحافظة على الوجود. التاريخ يتصف بالقوة والجبروت والشدة والبأس ويستخدم كل ما لديه من طاقة وقوة في سبيل المحافظة على النوع وعلى الوجود فإن هذا الإنسان جدير باحترامنا وتقديرنا. أو لسنا أبناء وأحفاد هذا الإنسان القديم؟ أو لم تكن شدته وبأسه رهان وجودنا؟ ألم يكن صراعه مع النار والوحوش الكاسرة و غوائل الطبيعة وانتصاره في استمرارية الوجود سبباً في حضارتنا؟ وهل يمكن أن يلام الإنسان القديم لأنه كان ينهش لحوم الطرائد التي يصطادها حينما لم تكن هناك نار ولا أدوات لتقطيع اللحوم وطهوها؟ هل علينا أن نلوم الإنسان القديم لأنه كان يجهض المرأة في الظروف القاسية بأساليب قاسية حيث لا مستشفيات ولا أطباء ولا حكمة إنسانية؟ هل يعني أن الإنسان القديم متوحش لأنه لم يستخدم الشوكة والسكين في تناول طعامه؟ وهل يصبح الإنسان أقل أو أكثر توحشاً إذا اصطاد طريدته ببندقية أو سكين؟ هل يصبح الإنسان أكثر أو أقل توحشاً عندما ينام على أغصان في غابة لأنه لا يمتلك سريراً فاخراً وثيراً؟ أليس هذا هو المعيار الذي يعتمد في فهم التوحش والبدائية؟ لقد أملت ظروف الحياة الشاقة على الإنسان القديم أسلوباً للحياة يتناسب مع كل مرحلة من مراحل تطوره. والأدب العالمي فياض بقصص وحكايات وروايات عن أشخاص تقطعت بهم السبل فعاشوا بعيداً عن الناس في الغابات والجزر، كما هو حال قصة روبنسون كروز، وأن هؤلاء الناس ارتدوا في سيرتهم إلى أكثر مظاهر الحياة بدائية من أجل الاستمرار والوجود. فنمط الحياة الإنسانية وأسلوب التطور هو الذي يفرض على الإنسان أسلوب الحياة الممكن ومناهج التكيف المحتملة.‏

 إذا كان الإنسان القديم يقتل من أجل الاستمرار في الحياة فالإنسان المعاصر يقتل حباً بالقتل. وهناك اليوم في صلب حضارتنا من يمتهن القتل. وإذا كان الإنسان القديم يقتل نداً له أو طفلاً فإن الإنسان الحديث يقتل شعوباً وأمماً ويعمل على إبادة أقوام بكاملها، والحروب الإنسانية التي دارت رحاها كلفت الإنسانية عشرات الملايين من البشر. وإذا كان الإنسان القديم يمزق طريدته بأنيابه وأسنانه فإن الإنسان الحديث يمزقها بالسكاكين المرهفة والأدوات القاطعة. وإذا كان الإنسان القديم يقتل فريسته بالسهام فإن الإنسان الحديث يقود القطعان ـ ملايين القطعان ـ إلى مذابح ومسالخ ترتعد لها الفرائص وتقشعر لها الأبدان. وإذا كان الإنسان القديم يقتل مرة في الأسبوع من أجل الطعام فإن الإنسان الحديث يقتل ألف مرة في اليوم حباً بالقتل. والخلاصة إذا أخذنا معيار التوحش بدلالته الأخلاقية العميقة فإن الإنسان الحديث يبدو أكثر توحشاً وهمجية بمعيار النظرة المتوحشة إلى الإنسان القديم.‏

 ونحن في هذا السياق نفضل استخدام مفهوم الشعوب القديمة أو الشعوب ما قبل التاريخ للدلالة على نمط حياة وأسلوب حياة اقتضته الضرورة في الاستمرار والتكيف ونرى أن وجود الحضارة الإنسانية المعاصرة كانت حصاداً لملايين السنين من نضال الإنسان القديم الإنسان الذي ننعته اليوم بالبدائي. وبقي أن نقول إننا عندما نستخدم مفهوم البدائية فإننا نجرد هذا المفهوم من دلالته الازدرائية ونفرغه من مضامينه السلبية فالإنسان البدائي هو الإنسان القديم هو الإنسان المكافح من أجل استمرار الإنسانية ونموها لتكون على ما هي عليه من أصالة وعطاء وتقدم.‏

 لمحة تاريخية في التاريخ البدائي:‏

 إن البحث التاريخي في أصل النشأة الأولى للإنسان هو بحث في المجهول والغامض. فالنشأة الأولى للإنسان تغور في أعماق كون لا متناه من الطلاسم والأسرار. وكلما اشتد البحث الإنساني في طلب هذه الأسرار ازدادت هذه الأسرار غموضاً واشتدت فيها كثافة الأسرار. ومع ذلك كله فالإنسان مازال ماضياً في رحلة الكشف والبحث عن ماهية الإنسان وأسرار نشأته الأولى. ورغم الصعوبة الكبرى التي يواجهها الباحثون في مجال البحث عن تاريخ الإنسان الأول ومقتضيات وجوده فإنهم استطاعوا أن يكشفوا كثيراً من الحقائق وأن يبسطوا مزيداً من الفرضيات الكاشفة في ميدان الأصول الأولى للإنسان.‏

 تعد مسألة تحديد البدايات الأولى للجنس البشري قضية استراتيجية مركزية في التاريخ الإنساني. ومع أهمية الدراسات التاريخية والأثرية التي تمركزت حول الكشف عن البدايات الأولى لظهور الإنسان على سطح المعمورة إلا أن ميقات هذا الظهور وصيغته الأولى بقيت وستبقى من الأسرار الكبرى الدفينة في أعمال التاريخ. فالأبحاث التاريخية الأثرية تنبه إلى وجود أشكال من الكائنات الشبيهة بالإنسان الحالي منذ ملايين السنين ولكن هذه الدراسات تؤرخ للإنسان منتصب القامة بمواصفاته الحالية منذ مليون عام على الأقل ومع استحالة الوصول إلى تحديد دقيق لنشأة الإنسان الأولى وبناء تصورات علمية عن حياته فإن الباحثين ماضون في التنقيب والبحث والتحري عن ملامح وسمات للبدايات الأولى عبر دراسات وأبحاث لا تنقطع عن الأصول الأولى للإنسان والإنسانية. وتبين أكثرية الأبحاث بأن الكائنات المشابهة للإنسان قد وصلت إلى مرحلة من التطور الحرجة التي فرضت عليها أحد احتمالين: إما أن تصبح بشرية أو أنها تعجز عن البقاء. وفي واقع الأمر فإنَّ الصنف الوحيد من فصيلة الكائنات الشبيهة بالإنسان الذي استمر في البقاء هو جنس الإنسان، والنوع الوحيد من جنس الإنسان الذي استمر في الوجود هو نوع الإنسان العاقل (الآدمي).‏

 في البحث عن أصل النشأة الأولى للنوع الإنساني:‏

 يصنف المؤرخون الأثريون إلى مؤرخين يبحثون في التاريخ المكتوب ومؤرخين يشدون الرحال إلى مرحلة ما قبل التاريخ. وفي دائرة هذا التصنيف يدرس علماء الآثار التاريخيون بقايا المدنيات القديمة، ويعمل آخرون منهم في دراسة مراحل أكثر حداثة، وفي بعض المواقع المعاصرة، وفي التنقيب في أعماق البحار والمحيطات. أما علماء آثار ما قبل التاريخ فإنهم يكثفون جهودهم في البحث عن مواقع تاريخية موغلة في القدم بدءاً من تلك المجتمعات التي لم تتعرف على الكتابة والموجودة حالياً في بعض أجزاء العالم، وانتهاء بتلك الخاصة بالكائنات الشبيهة بالإنسان والتي يرجع تاريخها إلى بضع ملايين من السنين. وبرز في الآونة الأخيرة توجه جديد لدى علماء آثار ما قبل التاريخ يتمثل في التأكيد على منهج علمي أكثر صرامة وفي التأكيد على دراسة المجتمعات المعاصرة تمكيناً لهم من تفسير أحداث الماضي.‏

 ويرجع المؤرخون أصول الإنسان إلى الرئيسات أسلاف الإنسان وهي مصطلح يدل على الكائنات المشابهة للإنسان التي وجدت بين 10ـ 70 مليون سنة. ويفترض المؤرخون أن أسلاف الرئيسات المبكرة بدءاً من الدهر الكريتازي المتأخر أكثر من مجرد آكلي حشرات تكيفوا مع حياة شجرية. وفي عصر الباليوسين تأخذ في الظهور نزعات أكثر تحديداً للرئيسات مع الاحتفاظ بالعديد من السمات "البدائية". وفي عصر الإيوسين اللاحق يلاحظ تنوع الرئيسات حيث يأخذ في الظهور أشباه التيمور والأسلاف المبكرين للتارسير ليبدأ بزوغهم التطوري. وإلى ذلك التاريخ، على ما يبدو، ترجع الأصول المبكرة للأنتروبويد.‏

 ويعيد المؤرخون ظهور الإنسان العاقل للمرة الأولى في حوالي ثلاثمائة ألف سنة مضت والذي يعد بامتلاكه للسمات المميزة لكل من الإنسان منتصب القامة والإنسان العاقل نوعاً انتقالياً بين الشكلين. فقد وجد النياندرتاليون المبكرون في المرحلة الدفيئة "الإيميان"، وأعقبتهم أشكال انتقالية تطورت، في الغالب، باتجاه الإنسان العاقل الحديث تشريحياً ( الذي وجد بالتأكيد في العصر الحجري القديم الأعلى حوالي أربعين ألف سنة مضت). ويظهر خلال جليد "فورم" المبكر النياندرتال المتخصص أكثر من أنواع الإنسان العاقل الأخرى وذلك في أوربا الغربية ومناطق الشرق الأدنى. وقد تم الكشف عن بقايا البشريات المعاصرة للنياندرتاليين في شمال غرب أفريقيا وشرقها وجنوبها.‏

 وإذ لم يكن من شأن تاريخ التربية التوغل في أعماق هذا التاريخ الذي يمتد إلى أكثر من مليون عام فإن تحديد بعض السمات العامة لهذا التاريخ وعرض بعض الموجزات في أصل نماء الإنسان وتطوره عبر التاريخ القديم يبدو لنا ضروريا لاعتبارات ثقافية إنسانية. إذ لابد للباحث المربي أن يمتلك فكرة واضحة أو غامضة عن الأصل الأول للحضارة الإنسانية المعاصرة وتاريخ الحياة على ظهر المعمورة الإنسانية.‏

 فالحياة الطبيعية وظهور الكائنات الحية قد بدأت على الأرض منذ ملايين السنين وليس لأحد أن يقدر بدقة متى بدأت. وبالتالي فإن الحياة الإنسانية مسبوقة بتاريخ سحيق إلى ملايين السنين من حياة الثدييات والكائنات العليا المشابهة في التكوين للإنسان الحالي بتكويناته العضوية والدماغية. ويقدر أغلب العلماء أن أصل الإنسان الحالي بموصفاته البيولوجية يعود إلى مليون عام من التطور أما الإنسان العاقل فيؤرخ له منذ مئة ألف سنة. وهكذا نجد سلسلة متواصلة عبر التاريخ التي توجد في أصل الحياة الحيوانية ومنها في أصل الحياة الإنسانية العاقلة.‏

 يميز لويس هنري مورغان (1818 ـ 1881) بين مرحلتين أساسيتين فيما قبل التاريخ هما: مرحلة التوحش ومرحلة البربرية ويقسم كل مرحلة منها إلى مراحل فرعية دنيا ووسطى وعليا قبل الوصول إلى مرحلة المدنية.‏

 1 ـ مرحلة التوحش الدنيا: يرى فيها مورغان طفولة البشرية حيث عاش الإنسان في مرحلة أشبه بالحيوانية هائماً على وجهه متغذياً بجذور النباتات وبعض الثمار البرية.‏

 2 ـ مرحلة التوحش الوسطى: مرحلة تقدم فيها الإنسان قليلاً عما كان عليه في المرحلة السابقة باهتدائه إلى اكتشاف النار واستخدامها في طهو الطعام وإضاءة الكهوف. نتج عن ذلك تعرف الإنسان على أنواع جديدة من الأطعمة بخاصة اللحوم والأسماك.‏

 3 ـ مرحلة التوحش العليا: اكتشف فيها الإنسان القوس والسهم مما ساعده على تغيير غذائه واقتصاده بشكل عام، أصبح الإنسان في هذه المرحلة صائداً للحيوانات يعتمد على لحومها، أي أنَّ الإنسان بدأ في هذه المرحلة في تحقيق الانتقال من جامع للطعام وملتقط له إلى منتج لطعامه. ويفترض مورغان ارتباط هذا التقدم في الاقتصاد بتقدم مماثل في شكل التنظيم الاجتماعي والديني.‏

 4ـ مرحلة البربرية الدنيا: تتميز بوصول الإنسان إلى إبداعات جديدة أهمها صناعة الفخار، وبخروج الإنسان من عزلته الضيقة وانتشاره في مناطق أكثر اتساعاً، وبداية نشوء جماعات اجتماعية.‏

 5 ـ مرحلة البربرية الوسطى: تمكن فيها الإنسان إلى صهر المعادن وصناعة الأدوات والآلات المعدنية، وبداية اكتشاف الكتابة الصورية.‏

 ويرى مورغان أن الإنسان توصل وبعد اجتياز الست مراحل تلك إلى مرحلة المدنية التي تتميز باختراع الحروف الهجائية والكتابة، وهي المرحلة التي لازالت ممتدة حتى الوقت الراهن.‏

 العقلية البدائية:‏

 ترمز العقلية البدائية إلى أنماط التفكير والسلوك التي سادت في مراحل تاريخية مغرقة في القدم، ولا سيما في العصور القديمة التي سبقت ظهور الكتابة والتدوين أي قبل الألف السادس قبل الميلاد. وغالباً ما يشار بذلك إلى أنماط الإنتاج الرعوية، وإلى المجتمعات الإنسانية التي كانت تعتمد وسائل بدائية جداً في الحياة والوجود ولاسيما في العصور الحجرية والبرونزية.‏

 يباين الأنتروبولوجيون بين بنية العقلية البدائية في المجتمعات القديمة وبنية العقلية التي تسود في المجتمعات الإنسانية المعاصرة، ويبين برول ـ أحد كبار الأنتروبولوجيين ـ في هذا السياق بأن ذهنية البدائي تعتمد على منظومة من المبادئ والمعايير التي تختلف عن هذه التي تؤسس للعقلية الحديثة. فالبدائي لا يستطيع أن يرى العلاقات التي نراها نحن في الأشياء، وهو بالتالي يصف هذه الأشياء بطريقة مختلفة تماماً عن هذه التي نعتمدها نحن، وذلك لأنه ينظر إلى الأشياء والأحداث والعلاقات القائمة بين الأشياء على أساس من المعايير المختلفة نوعياً عن المعايير التي نعتمدها نحن. وهذا يعني أن البدائيين يمارسون وظائف ذهنية مختلفة ويحاكمون الأشياء بطريقة أخرى غير هذه التي درجنا عليها. فالوظيفة العقلية عند هؤلاء تستجمع حضورها في صورة تصورات جمعيةi.‏

 فالتصورات الجمعية تكون مشتركة بين مختلف أعضاء الجماعة البدائية وهي تنتقل من جيل إلى جيل وتفرض نفسها على الأفراد ثم توقظ فيهم مشاعر وأحاسيس مختلفة. وهذه العملية ليست مجرد عملية عقلية خالصة بل نماذج مع مستويات وعناصر انفعالية ووجدانية. وهذا يعني أن العقلية البدائية تعبر عن حالة مشاركة مكثفة بين الإحساس والتجربة وهذا يتوافق مع حاجة مستمرة تعلنها ثقافتنا المعاصرة.‏

 في إطار تحليله للعقلية البدائية يرى ليفي برول أن هذه العقلية تقع تحت تأثير تصورات بوجود قوى خارقة فوق طبيعية توجه الحياة وتحرك صيرورة الوجود، حيث تأخذ التجربة عند أفراد هذه الجماعات طابعاً أسطورياً: فالحقيقة تؤخذ على أنها تنبع من الإيمان بوجود قوى وتأثيرات مجهولة خفية نابعة من عوالم عليا بعيدة متوغلة في القدم. وهذه التصورات الأسطورية تتكامل فيما بينها بصورة تختلف عن المنطق الذي نعرفه في العصور الحديثة. وعلى أساس هذه التصور يستند ليفي برول في تسمية العقلية البدائية بـ "العقلية ما قبل منطقية Prelogique Mentalite"، وهذا يعني أن هذه العقلية تتوافق مع مرحلة سابقة للتفكير المنطقي، بحيث يمكنها أن توائم بين التناقضات المفارقة والتي تتنافر كلياً مع طريقتنا المعاصرة في التفكير، وهذا يعني أنها تشكل طريقة أخرى في التفكير والنظر. ووفقاً لمنطق هذه العقلية فإن الأشياء يمكن أن تكون هي نفسها وهي غيرها في الآن الواحد. فالرجل في بعض القبائل الهندية القديمة (بورورو BORORO) يعتقد في الآن الواحد أنه رجل وببغاء، وذلك لأنه يشارك في طبيعة هذا الحيوان بوصفه توتما "Totem" لوجود الخاص. وتأسيساً على هذا المبدأ فإن العقلية البدائية أقل قدرة من عقليتنا نحن المعاصرين على إجراء التحليل والتجريد وبناء المفاهيم.‏

 ومن هذا المنطلق فإن عالم البدائيين عالم أسطوري تحكمه قوى فوق طبيعة (Sur -naturelle). فالرجل البدائي لا يستطيع أن يفكر كفرد خارج دائرة الجماعية التي ينتسب إليها. وهو لا يستطيع أن يرى نفسه خارج دائرة الأشياء التي يملكها، مثل الأشياء الشخصية، كثيابه وآثار أقدامه، فهي جزء منه وتدخل في بنية هويته. وعلى أساس ذلك يعتمد البدائي عمليات سحرية مؤسسة على هذه العلاقة، وهي عمليات لا تفهم إلا إذا اعتبرنا أن التفكير البدائي مختلف كلياً عن مبدأ تفكيرنا.‏

 فالتأثير الانفعالي للقوى ما فوق طبيعية يوجد في أصل التطور الأسطوري وهو نفسه الذي يوقظ التجارب الخاصة ويحيها، ولاسيما هذه الشاذة فيها مثل تجربة الموت والأحلام والرؤى الأسطورية، وهي هذه التي تضع الإنسان البدائي في علاقة مع القوى الخارقة. وفي ظل هذه التجربة الأسطورية تتكون صيغة وعي جمعي قوامه نسق متكامل من الرموز والأساطير والطقوس. ولذلك فإن الإنسان البدائي لا يستطيع أن يدرك العالم بالطريقة التي ننهجها نحن، بل يدرك العالم عبر نسق من الفعاليات التي تأخذ طابعاً ذهنياً وعاطفياً سحرياً في آن واحد. فتجربة البدائيين تتكون عبر المعاناة الأسطورية وبطريقة حدسية. وبالتالي فإن منظومتهم الأسطورية ليست نتاجاً لتجربة عقلية بل هي نتاج لمركبات انفعالية ووجدانية.‏

 وبالتالي فإن دور المنظومات الأسطورية لا يقف عند حدود تفسير الظواهر الطبيعية فحسب، إذ يتجلى بوصفه مشاركة وجدانية تأخذ صورة ردود فعل إزاء الخوارق الطبيعية. وتلك هي الطريقة التي يجب علينا أن نعتمدها لفهم الطقوس والرموز والمفاهيم التي تعود إلى العقلية البدائية.‏

 فالطقوس تضع الأساطير في سياق فعلها، وتحقق للأفراد المشاركة بواسطة تدخل الرموز التي لا تتمايز عما ترمز إليه، أي أنها تتشكل على نحو تتكامل فيها الحقيقة والرمز: الحقيقة وما يرمز إليها شيء واحد. وهذا يعني أن الممارسات الثقافية والدينية والسحرية تكّون علاقات مشاركة بين الإنسان والقوى الأسطورية وبالتالي فإنها توجه هذه القوى لصالح الإنسان.‏

 يصل برول في هذه المرحلة الأولية من تفكيره إلى نتيجة خطرة وهي وجود قطيعة كلية بين العقليتين (بين العقلية البدائية والعقلية الحداثية المعاصرة) وأنه لا يوجد هناك أي تجانس بينهماii. ولكن برول يستدرك في المراحل اللاحقة من أعماله وجود مراحل انتقالية تطورية بين العقليتين وأن القطيعة التي أعرب عنها في البداية تجانب الحقيقة الموضوعية.‏

 وفي هذا المجال يطرح السؤال التالي نفسه وهو: لماذا لم يتخل البدائيون عن هذه التصورات الخيالية التي تتناقض بوضوح مع الحقائق الموضوعية الواقعية في كل لحظة؟ وهنا يجيب برول إن هذا لا يحدث لأن العقلية البدائية منفعلة أمام التجربة العادية وهي غير حساسة للتناقض.‏

 ولكن ما العلاقات التي تربط بين الذهنية البدائية والذهنية المعاصرة؟ هل يمكن القول بأن العقلية المعاصرة هي حصاد تطور العقلية البدائية عبر الزمن ونتاج لها؟‏

 هناك إجابات متعددة الاتجاهات حول هذه القضية. وفي هذا السياق يقدم ليفي برول منظومة من الأفكار والتصورات. يشير برول في سياق تصوراته التطورية إلى تطور نقدي حدث في عقلية البدائيين يميل إلى رفض بعض السمات السحرية والأسطورية السائدة، ومن ثم تنامي بعض المفاهيم التي مكنت هذه العقلية من الفصل المبدئي بين الرمز وما يرمز إليه وهذا الفصل يشكل بداية تطور الإمكانيات المنهجية للعقل البدائي.‏

 ويبدو أن ليفي برول في هذا السياق قد تخلى عن فكرته الرئيسية الأولى القائمة على الفصل القطعي بين العقلية البدائية والعقلية المعاصرةiii. وبدا في هذه المرحلة من تفكيره يؤكد وجود مراحل انتقالية تفصل بين الثقافة البدائية والثقافة التقليدية، حيث يبين في هذا المقام أن العقلية البدائية ـ بصورتها اللامنطقية ـ لا تهيمن بصورة كليه على البدائيين، كما أن هذه العقلية لا يمكنها أن تختفي من حياتنا نحن المعاصرين. فهي تلعب دوراً أكثر أهمية عند البدائيين وأقل أهمية عند المعاصرين. وإنه لا يمكن أن نتصور أبداً بأنه يمكن للإنسانية أن تتحرر نهائياً من الفكر الأسطوري والخيالي. وما هو مهم في هذا السياق هو أن الأساطير والخرافات حاضرة في العقائد المعاصرة، وأن المؤمن يجد اليوم في عقيدته شيئاً آخر غير التفكير النقدي البارد وفي هذا مؤشر على أن العقلية البدائية لن تندثر كلياً أبداً.‏

 ومع ذلك إذا كان التطور نحو العقلية المعاصرة قد تحقق وأخذ مجراه فإن تفكير الإنسان لا يأخذ الطابع المنطقي بصورة كلية وذلك لأن العناصر الانفعالية لن تختفي أبداً في بنية التفكير العقلاني المعاصرiv. ويضاف إلى ذلك كله أن العقلية الأسطورية لا تحجب عن الإنسان إمكانية التفكير والتطور العقلي المنطقي على نحو كلي. وهذا يعني أن العقلية الأسطورية تعيق التطور العقلاني ولكنها لا تمنعه بصورة كلية.‏

 وقد تعرضت نظرية برول ولاسيما في أعماله الأولى، إلى انتقادات شديدة من قبل المفكرين والباحثين في هذا الميدان. وذلك لأن برول كان يفصل قطعياً بين مرحلتين من مراحل تطور المظاهر العقلية للحياة الإنسانية. وفي أصل هذا الفصل قد تكمن رؤية عنصرية أو قد تؤسس لمثل هذه الرؤية في التمييز اليوم بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية المعاصرة. ويمكن القول بأن هذه الانتقادات التي وجهت لنظرية برول جعلته يعدّل رأيه في أعماله المتلاحقة حول هذه القضية.‏

 لقد استدرك الأنتروبولوجيون المتأخرون خطأ المتقدمين في القرن التاسع عشر الذين قسموا المجتمعات الإنسانية إلى بدائية يعوزها المنطق والتحليل، وإلى مجتمعات متحضرة لديها ملكة العقل والنقد ولا تستسلم لتفسيرات الغيب. فاعترفوا حين معاينة المجتمعات الأولى بسخف القول ببدائيتهم، حين اكتشفوا خبرات تجريبية، وجداول تصنيف معقدة للموجودات والبيئة المحيطة بهم، ونظم فهم الكون وتفسير للعالم والحياة، يقف خلفها عقل منتج يماثل العقل في بنية نشاطه وآلية عمله ووظيفته"v.‏

 فأغلب الباحثين يؤكدون اليوم وجود درجة كبيرة من التجانس النوعي بين العقلية التي كانت سائدة في المجتمعات البدائية وهذه التي تسجل حضورها في المجتمعات المعاصرة. فالناس في المجتمعات القديمة كانوا يمتلكون معارف غامضة عن الطبيعة وخصائص النبات وحركات النجوم وطبائع الحيوانات، وبالتالي فإن هذه المعلومات كانت تأخذ طابعاً أمبيريقياً تجريبياً يجانس إلى حد كبير طبيعة المعلومات التي توجد في حوزة المجتمعات البدائية تباين في درجة التطور وتراكم الخبرات الإنسانية ولا يأخذ صورة تباين في النوع أو الجوهر. فالمرحلة التي يطلق عليها بدائية توجد في أصل تطور الحضارة الإنسانية ولعلها المرحلة الأكثر أهمية التي سجل فيها الإنسان حضوره الكوني، حيث استطاع وبوسائل بدائية جداً أن يسجل لنفسه الحضور والبقاء عبر سلسلة من الاكتشافات المتتابعة التي مهدت للإنسان المعاصر.‏

 ويسجل ليفي ستروس Claud Leve - Strauss جهوداًَ علمية كبيرة في دراسة أوجه التباين والتجانس بين العقليتين. وهو في هذا السياق ومن أجل المقارنة بين العقلية البدائية والعقلية المعاصرة يقارن بين المهندس والفلاح القديم. فالفلاح يمتلك معلومات ومعارف عملية فعالة عن موضوع عمله، وهو بذلك يستطيع أن يصنع بعض أدواته وأن يفعل أشياء كثيرة في مكان وجوده دون أن يمتلك أية معرفة نظرية معقدة. أما المهندس فيتملك معلومات نظرية وتجريبية متقدمة جداً بالقياس إلى الفلاح التقليدي. فمعارف الفلاح هي معارف ناجمة عن الخبرة والتجربة الحياتية، أما المهندس فمعارفه ناجمة عن علم تجريبيvi. فالمعلومات التجريبية للفلاح هي حصاد ملاحظات دقيقة وصبورة وهي تتكون عبر عملية تراكم عبر الزمن. وهذا يعني أن هذه المعارف لم يتم التوصل إليها عبر فعاليات المنطق أو المخبر، بل هي نتاج عملية تغير زمنية طويلة جداً في سياق التطور الإنساني.‏

 ويرفض كلود ليفي ستروس من جانبه استخدام مفهوم العقلية البدائية ويفضل استخدام مفهوم الفكر البدائي Pensee Sauvage وهو بذلك يريد أن يؤكد بأن التفكير عند البدائيين يعتمد على ذات المنطق الذي يعتمده الناس في المراحل الحديثة من التاريخ الإنسانيvii. وعلى هذا الأساس يجب التركيز من أجل التمييز يبن الذهنيتين على مبدأ الموضوعية والذاتية. وإذا كان التفكير المنطقي الخالص يعيد التجربة إلى عناصر مجردة فإن التفكير البدائي يباشر الحقيقة المعاشة دون توسطات تجريدية.‏

 فالأسطورة على سبيل المثال تعبير إنساني متشبع بالدلالة والمعاني الانفعالية والسيكولوجية، حيث تنطوي على جانب من الحياة الانفعالية ومن المشاركة التي تتجانس إلى حد كبير مع نموذج العقلية البدائية. ومن هنا يمكن الحديث عن تجانس أو علاقة قرابة كبيرة بين العقائد والممارسات البدائية وبين الفلكلور والفنون الشعبية التي تؤكد حضورها في جوانب الحياة الاجتماعية المعاصرة ولاسيما في المناطق الريفية. يمكن أن نجد هذه المظاهر الأولية البدائية في الوسط المدني مثل: العرافين والمنجمين والسحرة.‏

 وتأسيساً على طبيعة الحقائق التي أوردناها أعلاه فإن التمييز القطعي بين العقلية البدائية والعقلية الحديثة مفارقة علمية لا تصمد للمواجهة العقلية. ففي قلب الحياة المعاصرة اليوم، في البادية والريف والحضر، نجد مضامين العقلية البدائية التي تعتمد على مقومات وأسس سحرية وأسطورية تضرب جذورها في أعماق التاريخ الإنساني البعيد.‏

 i - Lucien – leve –Bruhl, La Mentalite primitive, ALCANE, paris, 1922.‏

 ii - Guy rocher: Introuction a la sociologie generale, korganisation sociale, point, 1968,p101.‏

 iii ـ حدث هذا التطور في أعماله الأخيرة التي رفض فيها بعضاً من تصوراته الأولى.‏

 iv - Lucien –Leve – Bruhl, la mentalite primitive, paris, alcane,1922,p7.‏

 v ـ سيغموند فرويد، الطوطم والتابو، ترجمة بو علي ياسين، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1983، اللاذقية، ص57.‏

 vi - Claude Levi – Srtauss, la pensee sauvage, Paris, 1962,pp, (26-33).‏

 vii - Lucien – Leve – Bruhl, La Mentalite Premitive, Paris, Alcane, 1922, P8.ssss

  

 

 

الحاجة إلى العقل في المراجعة ورؤية المصالح

عبد الله إبراهيم

ألِفَ المسلمون قضيّة النزاع بين النقل والعقل منذ وقت مبكر، وأبرز مَن خاض في ذلك المعتزلة، وعرفت اليهوديّة والمسيحيّة ذلك أيضاً، طوال القرون الوسطى، والتراث الديني مملوء بهذه السجالات، ومن الغريب أنه كلما توهّمنا بأن المسار الإنساني ينبغي أن يكون مساراً صاعداً لا يعود إلى مناقشة قضايا مرّ بها قرون وقرون فإذا به ينعطف إلى الوراء، ويعيد تكرار القضايا اللاهوتيّة ذاتها التي أثيرت من قبل، ويمكن القول بأن اللاهوت لم يترك لباحث شيئاً جديداً في هذا الموضوع، فقد قُتل الموضوع بحثاً كما يقال، وبإثارة هذا الموضوع مجدداً نسقط، مرّة أخرى، أسرى قضية أصبحت جزءاً من جدل اللاهوت في القرون الوسطى، وليس من واقع الحياة المعاصرة. وينبغي عند الحديث عن هذا الموضوع التفريق بين الدين وبين الفكر الديني الذي تراكم حوله. فالفكر الديني هو جملة الآراء والتفسيرات والاجتهادات والاستنتاجات المستخلصة من دين ما، وهو موضوع قابل للمناقشة والنقد والتحليل.

مرّت التجربة الدينيّة عبر التاريخ بمراحل كثيرة تكويناً وتفسيراً وتأويلاً، وتعاقبت الديانات، وتعاقبت تفسيراتها، وفي كل عصر يهيمن نسق من أنساق التفسير والتأويل، وكلما كانت التجربة الدينية موضوعاً للتحليل والاستنطاق فتحت الآفاق أمام تأويلات جديدة، والنصوص الدينية ثريّة بالإيحاءات، وتمنح مشروعيّة لكثير من التفسيرات. وهذا الأمر هو الذي جعلها موضوعاً جاذباً لاهتمام الفلاسفة، والمفكرين، وعلماء الاجتماع والنفس والتاريخ والانثربولوجيا، وسواهم، وآخر مَن أدلى بدلوه في هذا الموضوع، المفكر «هابرماز» الذي أكد أنّ «المستقبل للدين العاقل» ففي مجتمع حديث، قطع الصلة مع الأساطير، واللاهوت، أو هو في طريقه لقطعها، لن يبقى من الدين غير صفة «العاقل» أي الدين المجرّد عن الأطر الخرافيّة، والايديولوجية، وكل صيغ العنف، وينبغي عليه ألا يدفع بالمنتمين إليه، والمؤمنين به، لاقتراف أعمال عدوانيّة ضدّ الآخر، كما يقع اليوم في كثير من بقاع العالم. أي الدين بوصفه رسالة أخلاقية صافية منفصلة عن مصالح القوى المتصارعة حيث يتم استخدام الدين في صراعاتها مما يتسبّب في تدمير الصورة النقيّة للدين بوصفه معياراً أخلاقياً عاماً. ليس من الحكمة نبذ الدين، إنما نبذ التفسيرات الضيّقة وغير العقلانيّة له التي تدعم مصالح جماعات من المنتفعين من وراء ذلك.

ويرى هابرماز أنّ فكرة الدين العاقل يفرضها عالم متداخل من الديانات التي صار الحوار الحقيقي بينها ضرورة لا مهرب منها، وكلّ فرد ينتمي إلى دين ما ينبغي عليه أن يأخذ بالحسبان أنه عنصر في عالم متعدّد من الثقافات والديانات والأعراق، والتخلّي الكلّي عن التفكير بمنتصر أو غالب، وعلى الوعي الديني أن «يعالج أولاً: اللقاء المختلف معرفياً مع مذاهب أخرى، وأديان أخرى. ويجب عليه ثانياً: أن يقبل سلطة العلوم التي تمتلك في مجتمع اليوم حق احتكار معرفة العالم. ويجب عليه أخيراً: أن يتقبل المقدمات المنطقيّة الخاصة بالدولة الدستورية، وهي مقدّمات تنبثق من أخلاق غير دينية» وإذا تنكّر الوعي الديني لحالة التأمّل العقلي، فسوف «تفجّر الأديان التوحيديّة طاقة هدّامة في مجتمعات حديثة». والمعنى الذي يقصده هابرماز بـ «الدفع التأمّلي» هو «التأمّل، والتفكّر، والتدبّر، والنقد المزدوج». أي نقد الذات والآخر. وفي كل ذلك ينبغي التفريق بين الدين والفكر الديني، أي بين العقائد المنزّلة، وبين تفسيراتها الأرضيّة، فتلك التفسيرات هي التي تدفع بالمؤمنين نحو الصراعات والعنف. ولهذا يحذّر هابرماز من الطاقة الهدّامة التي يمكن أن تفجّرها تلك التفسيرات.

ينتظم نقد هابرماز في الاطار العام الذي استحدثته «النظريّة النقديّة» التي وضعت في اعتبارها نقد الميتافيزيقيا الغربية، ومحاولة إعطاء بُعد اجتماعي للممارسة العقلانيّة بعيداً من الاختزال الذي مارسته الفلسفة والدين من قبل، وهذا المنظور يحتاج إليه الفكر الديني لكل العقائد. ومن أهم الركائز التي استندت إليها النظريّة النقديّة، هو منظورها النقدي للظواهر الفكريّة والاجتماعيّة، بما في ذلك الظاهرة الدينيّة، وذلك لا يمكن تحقيقه إلاّ بالانفصال الرمزي عن تلك الظواهر، ووضع مسافة تمكّن المنظور النقدي من ممارسة فعاليّته، مطوّراً موقفاً مختلفاً، يرتّب العلاقات بين الظواهر المدروسة بمعزل عن الخضوع والسيطرة التي تمارسها تلك الظواهر. وعلى هذا فإن أولى مظاهر الاشتغال النقدي في هذه النظريّة تشكّلت في الأساس من خلال نقد المتون الفلسفيّة الكبرى في تاريخ الثقافة الغربيّة، بما فيها الفكر الديني، وإبراز التناقضات الكامنة فيها، واستنطاق الأبعاد التي ترمي إليها. وأفضى ذلك العمل إلى العثور على بؤر تمركز حول موضوعات معيّنة، واستقطابات متكتّلة، تمارس نفوذاً في سياق التفكير العقلاني منذ «عصر الأنوار» إلى الآن، ولعل أبرز ما وقفت عليه النظرية النقدية، هو نسق التأمّل الذاتي الميتافيزيقي الذي يستأثر بمكانة مهمّة في الفلسفة الغربية التي تستند في بعض ركائزها إلى الدين. وطرحت هدفها النقدي؛ وهو تصفية هذا الضرب من التفكير، لأنه الأساس الضمني لمفهوم الحرّية الذي ما هو إلاّ تعبير عن التمركز الذاتي، وقاد هذا إلى نقد العقل وممارساته. باعتبار أنه أداة خاضعة لصيرورة التاريخ وتحوّلاته، وليس له قوّة تعالٍ مطلقة ومجرّدة.

كل هذا معناه، بالنسبة إلى النظرية النقدية، إنها أنزلت كل الممارسات العقليّة والدينيّة منزلة الواقع، وأخضعتها لشروط التاريخ وجرّتها من أبعادها الميتافيزيقية، وبهذا فهي طوّرت ضرباً من النقد المباشر لتجلّيات العقل الديني في المؤسّسات ونظم الحياة والايديولوجيا والثقافة، والحال فإن النقد تشعّب فشمل البُعد الذاتي للميتافيزيقيا، وهذا يكشف سعة المشروع الذي طرحته النظرية النقدية، وبخاصة حينما ربط أصحابها مشروعهم النقدي بإيقاع الحياة وتشعّباتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، لأن الأفكار لديهم، وبخاصة الفلسفة: لا تنفصل عن أسئلة العلوم الإنسانية، فهذه الفلسفة بحكم كونها نقديّة وتسعى إلى صياغة النظرية النقدية تطعن في صدقية علوم الاجتماع المسيطرة فهي عاجزة عن تقديم تصوّر كلّي لا يغرق في الشروح التجريبية أو المنطقية – الاستنتاجية.

دعوة هابرماز إلى «الدين العاقل» تدفع بالفكر الديني، لأن يكون موضوعاً للتحليل العقلي، وبخاصة أنّ الظاهرة الدينية حضرت بقوّة في نزاعات العالم المعاصر، وأصبح الهروب من تحليلها، وإعادة تأويلها هروباً من ممارسة الدور الحقيقي للمثقف. كلما هرب التحليل العقلي – الثقافي من مقاربة الفكر الديني غزته الخرافة، وقع أسير الأسطورة، واتخذ طابعاً سحرياً وليس معرفياً، والتفّ حوله المؤمنون التفاف المعتقدين بأنه الدين نفسه. والفكر الديني الإسلامي الذي تكوّن حول «الإسلام» في أمسّ الحاجة لأن يتعرّض لتحليل عقلي يجعل المسلمين يعيدون الارتباط بالعقيدة أكثر من ارتباطهم بالتفسيرات الخاصة بها.

قريبا من العقل... بعيدا عنه

د. خالد السليكي    

في نقده للفكر القومي العربي، يحاول علي حرب أن يبحث عن جواب من خلال عدد من التساؤلات التي تظل قابلة لتفجير تساؤلات أخرى، نحن في أمس الحاجة إليها. يقول: "إن وعيي لهويتي كعربي، هو ثمرة الثقافة القومية. ذلك أن كلمة ’عرب’ كانت تعني في بعض البلدان العربية ’البدو’ من الأعراب، كما لاحظ ذلك الدكتور محمد عابد الجابري [...] قد يكون مجرد لفظ يأسرنا أو هوام يستبد بنا، وقد يكون بالعكس رمزا للقوة والفاعلية والقدرة على الخلق والابتكار وعلامة على الحضور والازدهار: فأين نحن من اسمنا؟ وما موقعه بين الأسماء؟ أي ما مفاعيله وأصداؤه؟ هل هو يصنع حقيقتنا على نحر خرافي، أم أننا نمنحه وقائعيته وقدرته على الانتشار، بما ننتجه من الوقائع ونصنعه من الحقائق؟ تلك هي علاقتنا الملتبسة باسمنا العربي: إنه مصدر وحدتنا بقدر ما هو مصدر انشقاقنا".

فما معنى أن يكون العربي عربيا اليوم؟ وما معنى اللحظة التي يعيشها العربي؟ وهل نحن في حاجة إلى الأنوار كما عاشها الغرب، أم إن الأنوار التي ينبغي تأسيسها يجب أن تصدر من صميم اللحظة والمشاريع العربية التي تجلي خصوصيات الذات العربية؟ ثم ما معنى العقل؟ وهل العقل كما تمظهر في الغرب هو ما يجب أن نؤمن به وبنتائجه؟ أم إنه ينبغي لنا البحث عن عقل مختلف، كما سبق للغرب أن صنع الاختلاف بين الشرق وبين الغرب؟

وما الجدوى من كل ما طرح، ومازال يطرح، في الوطن العربي من برامج و"مشاريع" ما دام أن الإخفاقات هي النتيجة الحتمية، كما أن هذه النتائج هي حصيلة ساهم فيها الجميع مهما اختلفت المرجعيات. إن المآزق التي يتيه فيها الإنسان العربي تعني أن هناك وجها آخر للتخلف والانحطاط الذي يعرف أوج ازدهاره.

فحتى الأشياء القبيحة تزدهر، والتخلف العربي ازدهر وأينع فينا وبنا جميعا، نخبا وجماهير، وبتنا نعيش أوج الانحطاط، ولحظة الضياع والتيه ولا نعرف ما الذي نريده بالضبط وأين نوجد، لم نتمكن من تحديد موقعنا وجوديا وزمنيا!؟ وهكذا صار العقل العربي يبحث عن حداثة عربية أو حداثة إسلامية. وبينهما كان الانطلاق من العقلانية الأوربية، كما كان البحث عن التطور والتنمية انطلاقا من المفاهيم التي نمت وترعرعت في سياقات ثقافية وفلسفية مختلفة عنا تمام الاختلاف؛ ومن هنا جاءنا الضياع الأخطر.

فما الذي ينبغي القيام به؟ وماهي الاختيارات المعرفية التي وجب سلكها؟

يذهب عبدالله العروي إلى القول بأن ما نأخذه على الدولة "على أصحاب السلطة"، علينا أن نأخذه بنفس القدر على النخبة والمجتمع، لا لنكون منطقيين مع أنفسنا، بل فقط لنكون واقعيين وعلميين. لأنه في العقود الماضية، ظننا أن تحميل المسؤولية لأصحاب السلطة وإرغامهم على تغيير رؤيتهم وسلوكاتهم هو الكفيل بحل المشاكل، واليوم صار واضحا أن ذلك ليس هو المطلب الصائب، وإنه طريق غير سالك. ماذا يبقى؟ (عبدالله العروي: عوائق التحديث). جواب الأستاذ العروي، كان واضحا ولخصه في التربية، باعتبارها الشيء الوحيد المتبقي. فما المقصود بالتربية، في ظل هذا الواقع التاريخي؟

واضح أن من خصوصيات الفكر العربي المعاصر، احتواؤه على العديد من التناقضات؛ فبين التيارات التي تدعو إلى العقلانية والانخراط في المسار العالمي وما تقتضيه الظروف والسياق العام، ثمة تيار مهمين لازال يتخبط في الخرافة والأسطورة، ويمجد اللاوعي الزمني ويقدس كل ما هو ماض، بل ليس كل التراث، وإنما جانبا من هذ التراث، وعلى الخصوص الجانب اللاعقلاني بنظرته الأحادية والإطلاقية التي تزداد تفشيا ونموا. والفكر الخرافي الذي يعتمد على البعد الأسطوري قد ينجح في التعبئة وشحذ الأفراد وراء الشعارات التي تعد بالتحرير والتقدم وتحقيق الوحدة واستعادة المجد الضائع، كما أن الأسطورة قد تنجح في تقويض نظام أو إسقاط دولة، ولكنها تظل عاجزة عن الإسهام في بناء مجتمع جديد أو صنع عالم مغاير. ويمكن للأسطورة أن تساهم في التحام العصبيات وَلأم الهويات، لكنها تظل عاجزة عن أن تبني مجتمعا مدنيا يقوم على العقد والدستور والشراكة أو على العقلانية والحريات.

ولعل من المفارقات التي يعيشها العقل العربي المعاصر، هو هيمنة الفكر الأسطوري اللاتاريخي، في مقابل نفيه للآخر، ولكن مع الاستفادة واستغلال التقنيات والمنتوجات الفكرية والعلمية المستوردة من الغرب.

إذن، أين يكمن الخلل؟ وما الذي يجعل العقل العربي يظل حبيس تصورات لاعقلانية؟ ولماذا انتصر اللاعقل وظلت العقلانية لا تشكل سوى انفلاتات سرعان ما يتم القضاء عليها؟

إن الفكر العربي لم يتمكن بعد من استيعاب مكاسب العقل من عقلانية وموضوعية وفعالية وإنسية. وهذا التأخر لن يزيد إلا في تعميق الأزمة لذلك فإن ترديد الدعوة اليوم، عنوان الرجوع إلى فترة سابقة، بقدر ما يعني ذلك وعيا خطيرا بالنقص ومحاولة استدراكه. وما يؤرق حقا، هو أن الخطاب التراثي، برمته، محروس من قبل ممثلين لنمط يُراد له أن يستمر، وإن أية محاولة للتواصل معه ينبغي أن تتم وفق ما ترغب هذه الجهة التي تحرسه، فمن "أراد أن يحيي البعض من مفكري الماضي فإنه لا محالة مدفوع إلى إحياء الكل، وهذا هو سر موقف المؤسسة التقليدية عندما تصفق لإحياء كل قسم من التراث القديم، مهما كانت الأغراض والظروف... إنها تعلم أن النتيجة العامة ستكون في صالحها".

من كبرى العوائق التي تقف سدا منيعا أمام الفهم الصحيح الذي يمكنه أن ينمي المعرفة ويؤسس لبنيات إنتاج معرفية أيضا، هو غياب الوعي التاريخي الذي تترتب عليه اللازمنية وتتشابك فيه الأوضاع وتضيع الحقائق ويتم إنتاج وتسويق حقائق يراد لها أن تكون هي الحقيقة المستهلكة والمتداولة. فما يعلمنا التاريخ، هو أن زمنية التاريخ غير زمنية الفرد. فالمرء يظن أنه تجاوز إشكالية أو قضية ما، في حين أن مجتمعه مازال يتخبط ويتعثر في تناقضاتها. أي إن العقل العربي كما هو عليه الحال راهنا، يتنقل بين الفترات التاريخية بصورة متعالية لا يميز بين الحقب، ولا يعير أهمية للبعد التاريخي والتطورات والسياقات الثقافية العامة التي كانت تتحرك داخلها قضية أو حركة أو فكر. وهكذا استمرت النظرة السحرية في كل المقاربات التي تتعاطى مع التراث، مع حضور الحس الانتقائي المشبع بخلفيات إيديولوجية تحاول أن تمحو كل المكونات التي من شأنها أن تسقط طابع القداسة والتعالي، وتجعل من الراهن مكونا فاعلا في عملية إعادة إنتاج المعرفة والتواصل المعرفي مع التراث. ذلك أن التراث لا يمكن أن ينظر إليه إلا باعتباره خطابا (نعني المستوى المعرفي العالم)، ومن حيث هو نصوص في حاجة دائمة إلى إعادة اكتشافها وإنتاجها وإشراكها في عملية تشكيل المعرفة الراهنة. وفي ثقافة احتل النص الديني فيها - ولا يزال - مركز الدائرة، يعد الكشف عن مفهوم النص، كشفا عن آليات إنتاج المعرفة، بما أن النص الديني صار النص المُوَلِّد لكل -أو لمعظم - أنماط النصوص التي تختزنها الذاكرة/الثقافة. ومعنى ذلك أن الأهم هو البحث عن نمط الثقافة التي تنتمي إليها.

 فهل يفهم من هذا أن قضيتنا تكمن في علاقتنا بالتراث؟

إن جزءا كبيرا من معضلة البؤس الذي يتخبط فيه العقل العربي، لا يمكن أن يدرك إلا بالبحث في حفرياته المعرفية، وما تسرب خلال تاريخ المعرفة الطويل. فالتاريخ الحقيقي لم يتحقق بعد، لأن العربي لا زال يخشاه، ولا زال لا يتعامل مع الماضي إلا بالتقديس أو بالخوف، أي إما أنه يخشاه ويخشى ما قد يجره عليه من حقائق لم يكن مهيأ لاكتشافها أو إنه، أصلا، لا يرى له المصلحة في ذلك فيلجأ إلى أسطرته واعتباره قطعة هناك هي ليست منه، بقدر ما أنه يمثل جزءا منها. "لذلك فنحن ملزمون بالرجوع إلى ابن خلدون سواء انصرف اهتمامنا إلى الحضارة العربية الإسلامية كدول ومجتمعات واقتصاد أو كان شاغلنا الحضارة العربية كفكر وثقافة. وابن خلدون لا يقدم لنا المادة وحسب، بل يقترح نوعا من القراءة لهذه المادة، قراءة واعية بأسسها ومنهجها. ليس المهم أن يكون ابن خلدون قد أصاب في هذه النقطة أو أخطأ في تلك، المهم أنه حاول أن يضع فهمه للحضارة العربية الإسلامية خارج منطقة الصواب والخطإ، أي خارج النظرة المعيارية" فالصواب عنده هو ما كان، والصواب عنده هو أن نفهم ما كان على الشكل الذي به كان".

إن استحضار ابن خلدون، لا يعني العودة المقدسة إلى الماضي، بقدر ما يعني أن الماضي يمكنه أن يشكل مصدرا لعدد من المعاني، وليس الحقائق. فالعودة إلى الماضي، هي عودة من أجل البحث عن المعاني التي سنستثمرها من أجل البحث عن الحقائق التي ينتجها الراهن/الحاضر. ولعل أهم ما يقتضيه ذلك، هو أن يتم إسقاط كل فكر ينزع إلى الطابع الأسطوري وإسقاط كل سمات القداسة، ثم ضرورة إعمال العقل في كل عمليات الإدراك. ويبقى من بين السبل التي ستساعدنا على ذلك، هي تحديد موقعنا وطرح الأسئلة التي تساعد على إيجاد مواطن الخلل لأن قضيتنا لا تكمن في الجواب الذي قد يتجلى في استيراد آلة أو منهج، وإنما يكمن في نوع الأسئلة التي ستحدد اختياراتنا ومواقعنا الحضارية وموقفنا من الذات أولا في بعدها الراهن، ثم من الآخر في اختلافه وغيريته.

إذن، فالتربية تعني هنا وضع الذات والعقل العربيين في موضع المساءلة، والبحث عن ماهية كل منهما، وعن خصائصهما، مع الوعي بالأبعاد التاريخية، وإعمال العقل ومبادئ العقلانية، لأن العائق المركزي في مسار الحضارة العربية، كان ولازال، هو تغيبب العقل. ومن ثم كانت ضرورته.

هل نحتاج إلى عصر أنوار عربي؟

يمثل عصر الأنوار نقطة تحول عميقة على مستوى النظام المعرفي الغربي، كما أنه يشكل نقطة ومرجعية فكر الحداثة. وقد عبر هيجل قائلا: "إن مبدأ العصور الحديثة هو عموما حرية الذاتية«، وهو يعني أن طبيعة العلاقة مع الذات هي المؤسس للحداثة التي تقوم على أربعة مرتكزات أساسية:العقلانية، التاريخانية، الحرية، العلمانية. ويعني هذا أن الحداثة تعتبر الذات مصدر المعرفة، لأن الوعي هو الذي يقوم بتمثل الوجود، ومنه يقوم بإصدار الأحكام حول ما يقع حوله بصورة عقلانية، والتي هي بدورها تطمح إلى تأكيد سيطرة الإنسان على الطبيعة ومن هنا كانت ترى في التقنية رؤية للوجود.في حين تجد التاريخانية مكانها في فكر الحداثة من جهة معقولية التحول الذي يخضع "للتقدم". أما الحرية، فتكمن في حق الإنسان في اختيار وتقرير شؤونه المدنية دون أن يخضع في ذلك لإكراهات أو قيود. وتبقى العلمانية إحدى المقولات الهامة، وهي ترتكز على فصل ما هو سياسي عن ما هو ديني، في سعي واضح نحو إسقاط النزعات القدسية عن النصوص المقدسة، مع التركيز على"الإنسان"، من حيث هو مفهوم مرجعي للممارسات النظرية والأخلاقية والسياسية والسلوكية.

 فهل أن مقولة الحداثة التي ارتكزت على "العقل" و"الإنسان"، صالحة لتأسيس منعطف في العقل العربي الذي لا زال يعيش"صدمة الحداثة" التي لم تزده إلا تراجعا وفقدانا للعقل؟ ثم كيف يمكن تحرير العقل العربي من ظلاميته ومآزقه؟

 

 

حديث الروح (1)

على مفترق طرق يقف انسان اليوم حائراً، يساءل نفسه عن حقيقة ما يجري..

انحن هكذا حقاً ؟! يأكل بعضنا البعض جريا وراء مكاسب رخيصة نغلفها بمسميات والفاظ لا تعني شيئا غير مغانم واطماع نحاول تحقيقها على حساب بعض ناسين ان هذه الدنيا ليست الا حطاما زائلا لابد وان نتركها بما فيها ذات يوم راحلين لا نملك من متاع الا ما عملت ايدينا..

 يقول الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ( ان الدنيا قد ترحلت مدبرة، وان الاخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منها بنون، فكونوا من ابناء الاخرة ،ولا تكونوا من ابناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حسلب، وغدا حساب ولا عمل).(انتهى) .فهلا انتهينا مما تقترف ايدينا ونبدأ بالعودة الى دواخلنا نستكشفها، نفرغها من الغلّ الذي يحيد بها عن جادة الصواب،لنعود نعمل على ان نكون من ابناء الآخرة ، فاذا لم يكن هناك من يحاسبنا على ما نقترف من معاصي ومآثم اليوم حيث الفوضى تضرب بأطنابها تغري الاثمين بأثمهم وتزين لهم سوء اعمالهم، فان غدا سوف نقف امام حاكم عدل لا يغفل عن مثقال ذرة من شر او خير،فيبدأ الحساب حيث لا تقبل منهم شفاعة ولا هم ينصرون..

اللهم فاطر السموات والارض،عالم الغيب والشهادة،ربّ كل شيء ومليكه،اشهد ان لا اله الا انت،اعوذ بك من شر نفسي،ومن شر الشيطان وشركه،وان اقترف على نفسي سوءا او اجره الى مسلم.

 

قصص قصيرة جدا

قصص قصيرة جدا

1 ـ مرّ من امام دكان بائع الخرز مسرعا.. لم يلاحظ انواع الخرز الملونة التي انتظمت عبر خيط رفيع في شكل مسابح متعددة الالوان والاشكال..

كان يمقت المسابح.. منذ ان اقتحم الامريكان ليل العراق وهو يمقت كل ما يذكره بالتعدد والالوان والاشكال ..اصبح الامر لايطاق .

2 ـ فرّ من يقظته هاربا باتجاه حلم.. في الحلم وجد نفسه  مطاردا من قبل شلة من العفاريت متعددة الالوان والاشكال ..

استدار ليهرب لكنه كان واقفا على حافة النوم.. فاستيقظ..

3 ـ من جديد راح يحلم بفردوس مفقود ، كان وحيدا يبحث  خلف شجيرات الورد عمن يؤنس له وحدته.. الفردوس بدونك جهنم ..

4 ـ " اهرب.. اهرب ليس لك مفرّ من ذلك الا الهرب" ، نظر نحوه ..لم يكن هنالك ما يهرب منه ، لم يكن هنالك ما يهرب اليه.. الكل انشغل بنفسه وراح يهرب الى منطقة آمنة ليست موجودة على الخريطة.. قرر الالتجاء الى روحه ، انها المنطقة الوحيدة التي يعرفها والتي يمكنه اللجوء اليها بدون تأشيرة.. 

5 ـ كان متلهفا للعودة الى البيت..

شعر ببطىء سيارة الاجرة التي يركبها، تململ في مقعده، شاهد من خلال النافذة طائرا يحلق بعيدا ..تمنى ان يكون عصفورا ليقطع الفضاء بعيدا عن الازدحام الذي يعيق حركة السيارة..

اغمض عينيه وراح يحلق عاليا في الفضاء .. فجأة دوى صوت اطلاقة نارية..

شعر بنفسه  يهوى نحو الاسفل.. فتح عينه فزعا..

كان خيط من الدماء يتسرب من خلف قميصه.. لقد اصابه القناص

6 ـ حين وصل الى البيت عرف انه لايزال حيا فأبتسم ..

قالت له زوجته : لاتحلم ثانية ان تكون طائرا فالصيادون كثر..

تأوه .. تأفف .. نظر نحوها بعينين حزينتين وقال سأحلم ان اكون شجرة كي ابقى ثابتا في مكاني..

7 ـ حين حلم ذات يوم انه شجرة..

شعر بأقتراب الناس منه، كان البعض يحاول ان يتقي الشمس بالوقوف في الظل الذي تنشره اغصانها..

لكنه بعد قليل سمع صوت الفأس وهو يهوي على الجذع السميك..

نظر نحو الرجل بعينين دامعتين..

اعتذر الرجل وراح يواصل ضربه بالفأس لانه لايمتلك وقود في البيت..

8 ـ توهم انه صار جريدة..

راح يتابع آخر الاخبار كي لايفوته سبق صحفي وحين وصل الى الصفحة الاخيرة، وجد ان كل شىء فارغ..

كانت الكلمات قد تسربت في لحظة غفلة من سطورها.. ربما حينما جلس في الحديقة المقابلة للبرلمان كي يحضّ باغفاءة الظهيرة..

لابأس.. ليلتقطها اعضاء البرلمان انهم بحاجة الى مزيد من الكلمات..

9 ـ (سازرع لك شجيرة ورد  ) قال لزوجته وهو يعزق الحديقة الصغيرة في مقدمة البيت..(سأسميها بأسمك ، وبعد عام حين تزهر سأقطف لك اول وردة واعلقها على شعرك الفاحم) واصل حديثه وهو يحاول اختيار المكان المناسب  لزرع شجيرة الورد..

(لكننا سنرحل ) قالت له زوجته بهدوءها المعهود.. التفت نحوها مستنكرا، صامتا..

صاحب البيت طلب مغادرتنا خلال يومين لاننا لم ندفع الايجار منذ شهرين..

10 ـ على مدخل اول وزارة يعثر عليها بعد جهد  ومشقة، وقف.. كان ينتظر وصول احد من المسؤولين فيها لكنهم لم يأتوا..

مرّت الساعات ثقيلة، وراحت شمس الظهيرة تلهب رأسه بشعاع  امتد من قمة رأسه حتى الارض ..

شعر بذوبانه التدريجي..

راح يسيل على اسفلت الشارع قطرة فقطرة .. المارة يراقبونه بصمت ويمضون دون مبالاة..

الحرس المدجج بالسلاح اخذته الظنون.. توهم انه رجل مفخخ..

ربما ذوبانه هذا هو بداية لتفاعل عضوي بينه وبين الارض.. وبعدها..

صاحب الكشك الصغير، مقابل بناية الوزارة ، حيث يقف هو منذ الصباح الباكر، اخذه الفضول.. ربما الخوف، فقرر ان يستفسر عن سبب وقوفه هذا.. حين اخبره انه ينتظر ايّ من المسؤولين الذين يرتادون هذه البناية.. ضحك .. ضحك صاحب الكشك كثيرا ، هزّ يده وعاد ادراجه طالبا منه ان يعود  الى البيت لان اليوم عطلة.

 

 

يوميات حالم في ظل الاحتلال

يوميات حالم تحت الاحتلال

نزار السامرائي

ثلاثة أعوام منذ ان بدأ قرن جديد انسقنا إليه سوقا دون دراية ..

المجد.. أسطورة نبنيها لأنفسنا.

ندرجها جنب أساطيرنا الأخرى التي تكدست فوق بعضها .. حياتنا مجرد أساطير.

انحرف عن الشارع الرئيسي باتجاه أفق لا منظور ، منذ جيل كامل مضى ، ضعت.

ما بقي لا يكفي لتأسيس أسطورة جديدة.

استل الآخرون كل ما شأنه ان يؤسس مشروعا آخر لرؤية مستلة من حقيقة ذواتنا .. وتركونا حطاماً .

/ هذه الحقيقة/

     / رؤى واقعة /

على ناصية ما من هذا الوطن الناضح دماً.. ركنتُ ارتق أحلامي وأهدهدها علها تستطيع صبراً حتى انهي ما عليّ من واجب.

/مكرر/

باقي من الزمن سنين والأيام مكررة ، منسوخة عما قبلها ، سوى ان الخرائط لم تعد هي مثلها قبل شهر ، او أقل..

/مكرر/

ساقط في جوف الحوت أصارع الحياة كي اقدر ان استمر بها مثلما أنا.

لا معنى ان أطالب الآخرين بأن يكونوا كما أنا.

أنا روح هائمة لا استقرار لها..

أنا..

لا اعرف بعد ما أنا.

***

بغداد /نيسان- 2003

كالآخرين ، شاهدته يحمل بندقية ويصطاد أول سيارة تقبله..

كالآخرين حملّ سيارته- او التي أصبحت كذلك- بما يعرف ثمنه واستقل ظهر الفوضى ليعلن نفسه متمرداً على النظام..

  على الذي كان نظام..

توهم ان الليل يكفي لتغطية خطواته التي تركت آثارها واضحة على الطريق ،فما حرص على ان ينظف قذارته بشكل كافي ن لذلك عندما هدأ كل شيء وعاد الوضع الى بعض ما كان عليه لم يكن صعبا إثبات تعاطيه السرقة، بعد ان ظهرت آثار النعمة المفاجئة عليه.

/بعد شهرين/

خرج عاريا من أكاذيبه التي كان يتغطى بها.

ملفاته التي حاول ان يحملها ليعلن ولاءه للوطن بعد ان عبث به الجميع.

بدأت لعبة جديدة الآن..

بين قدح وأخر تم عقد الاتفاق

كان عليه ان يظهر في الواجهة ، ويبقى الآخرون أصحاب المال، والمصلحة الحقيقية متخفين خلف قناع وجهه المستعد لكل شيء من اجل أي شيء.

توهم القوة

بل اصطاد الرجال المتعطشين للقوة والنفوذ واحداً بعد الآخر بخدمات مدفوعة الثمن.

اصطاد الفرصة وترك الآخرين يعدون ما حصلوا عليه لقاء خدماته.

ما كان عليهم إلا الوصول أليه وعقد الاتفاق.

فأرتكن زاوية النفوذ وتسلل خلسة حيث ما شاء.

الأماكن التي نبذته بالأمس فتحت أبوابها .

الأوراق التي احترقت مع ما احترق زيفت بأخرى اكثر نصوعاً

فكان الوطن قضية

وكان السارق القاضي

***

/كانون الأول 2003/

/الحلم الضرورة لا انتهاء لبقاياه/

نسكن متاهات تجاويف رؤوسنا،لنخرج /نعود وحيدين نحمل جراحنا نبحث عن أسماء الأمس التي كانت تلتف نحونا..

نبقى يلفنا الصمت كأيامنا الخرساء التي تشكل زاوية حادة تحشرنا بين ضلعيها حتى تكاد تقسمنا شطرين

/لا نزال صامدين/

الذوات الأخرى المتوازية مع رأسي تائهة هي الأخرى تبحث عن نفسها في متاهات الرأس الأجوف.

/ملزمين بالصمت...

       ....... قد جبلنا على الصمت/

/الآخرون.../

طيبون حد السذاجة..

مسالمون حد الجبن.

صمت العرافون

اصبح الآخرون يرددون الأكاذيب الملفقة .

خبئت كل الحقائق المعروفة في صناديق خشبية مقفلة جيدا وركنت في زوايا بعيدة عن عيون الشمس لان الآخرين لا تهمهم الحقائق بل .. الخبز!

الأكاذيب استمرت بالنمو/حاصرتنا/ التفت على جدران البيوت كالنبات المتسلق/ مدت جذورها في أيامنا لتمتص كلّ ما بقي من حقائق كانت موجودة في الوثائق المصفرة وتحيلها الى أكياس للمتبضعين او مسودات لأكاذيب منمقة جديدة.

اعتلى الكذابون منصات الكلام..

أفردت لهم مساحات واسعة على صفحات الجرائد/ المجلات/ برامج الإذاعة والتلفزيون.

ولأن الآخرين طيبون/مسالمون/خائفون على ما تبقى من أيامهم.

أثروا  الصمت وتصديق كلّ ما يصل الى أسماعهم مكتفين بما يعرفون.

تصبح الحقيقة قضية

ويصبح الكذابون قضاة

***

ما بين الوهم والوهم

أصبحت أيامنا محض ليل ونهار يتناوبان

الأوراق المزورة أصبحت وسيلة المرور الوحيدة في شوارع لا نعرف متى تغلق في وجوهنا.

النائمون على أوجاعهم يتربصون الفرص علّ أحدها تسقط في أحضانهم.

نصبح مهمومين والوطن هماً

النائمون على أوجاعهم يبحثون عن صباح آمن

الصامتون .. الذين آثروا ارتكان زاوية بعيدة عن الناس ما عاد يهمهم شيء..

الشعب ما تهمه الحقائق .. يريد خبزاً وأمنا.

على جانب الشارع المكتظ توقفت سيارة بيضاء اللون..

ترجل منها على مهل وهو يضع نظارة سوداء على عينيه وأصابعه تعبث بحاملة مفاتيح مطلية بالذهب.

دفع الباب بقدمه واتجه نحو المكتب ذو الواجهة الزجاجية الأنيقة..

تدحرج هكذا من الأسفل حتى فوق!

لم يكترث أحد بوجوده ، ذلك إن الجميع لا شأن لهم إلا بما يعنيهم ، وهذا يعني ان يغمضوا أعينهم ويكمموا أفواههم طالما الأمر لا مساس له بهم.

الآخرون ليذهبوا الى الجحيم.

والمدينة ملعب صغير على اللاعبين فيه ان يرموا بأوراقهم مكشوفة ليستطيع كلّ منهم المشاركة إذ لا معنى ان تلعب بأوراق مخفية بينما مرآة الحقيقة تعكس كل شيء، ومن يهتم.

شمر عن ساعديه وراح يفبرك الأحداث ليحوز قصب السبق..

قطع الشوط الأول بصمت .. والثاني بصمت.. والثالث بفحيح خافت عبر خلاله عن اسفه الشديد لان يكون الأمر على ما هو عليه.

لذا راح يعرض خدماته على أصدقائه القدامى الذين شاركوه الأمر أول مرة .. ونجح.

فبادر الى تزوير الحقائق كلها.

لا ضير مادامت الأوراق قد احترقت مع ما احترق ان يؤسس لنفسه تاريخا مزورا يتحدث عن أفعاله البطولية من اجل ..... نفسه.

سقط في الفخ من سقط.

فتحت الأبواب مشرعة دون الحاجة للسؤال عن القادم .

لكنه لم يستطع مسح الحقائق التي اختزنتها الذاكرة ... رغم تزويرها.

***

ليس مهما ان تكون من تكون

لم يعد التكوين هو المشكلة

المشكلة ان عليك لكي تكون ان تكون كما هم يريدون .

هكذا اصبح الأمر

ببساطة عليك ان تقنع نفسك بأنك هو من يصنع الأحداث

الأحداث التي تتابعت مسرعة تحت سرفات الدبابات التي تحاصرنا حيثما كنا.

سيارات الهمر وحدها من تستطيع المرور حيثما شاءت لتصنع على أزيز رصاصات رشاشاتها الأوتوماتيكية غدا جديد مشبع بالرومانسية.

بـ/الحرية /

المتسلقون على سلالم الخراب يتصدرون الأحداث

يتنابزون بالألقاب

يتفاخرون بما جنت أيديهم

فالعصر الجديد يستوجب وجوه جديدة

وعبارات جديدة

وملابس جديدة/تظهر التشابه حد التطابق بين المحتل والتابعين/ المتحررين توا من أوهامهم/

نبقى موهومون /قد جبلنا على الوهم

أوهامنا وطن بحجم القلب يتسع للجميع

أوهامنا ان نبقى كما نحن..لا أكثر، في زمن اصبح فيه الإنسان سلعة والوطن سوق

والنخاسون ... قضاة.

***

كل شيء للبيع

موظفون للبيع .. مؤسسات للبيع

وطن بأكمله ... للبيع

و الشارون يتوافدون من كل حدب وصوب

عادت بابل كما كانت

تجمع لغات الأرض كلها ، وأصبحنا أغراب نجوب الشوارع كالمتشردين، نبحث عمن يجود علينا بكلمة ..

الكلام هو الآخر معروض للبيع، والمنمقون ، معسولو اللسان امهر البائعين ، يتجولون وراء صحف صفراء تنتشر بيننا كالوباء.

وشاشات الفضائيات تقدمهم لنا مع طبق اليوم ليملوا علينا أكاذيبهم.

الأخبار /الأكاذيب/الأوهام/التزويق.. زادنا اليومي الذي لا نفتأ نقتات عليه بنهم متزايد.

نشارك بإعداده

ننقله الى الآخرين الذين لم تعد تهمهم الحقائق ..بل الخبز.

يحلمون على أنقاض عام ذهب بان يشيدوا عاما جديد على أشلاء وطن.

موطني .. موطني..

الخراب والعذاب

القتال والضياع

في رباك ..في رباك

هل أراك .. هل أراك

عائدا موحدا

صامدا مكرما

موطني ...موطني..

همّ.. يتبع همّ والوطن الممزق تتوزع أشلاءه بين صيادي الفرص الذين سرقوه أول مرة

/عودة الى ذي بدء/

تتدحرج أسطورة المجد من عليائها

وتسقط في أحضان المتسولين على موائد الأغراب

يصبح البقاء في الوطن خطيئة

وتصبح الأشياء محض سراب

ننقاد كالنعاج الى طرق نيسمية تؤدي الى ذات المكان

الطرق المعبدة ، ارض حرام تتقاتل فيها الأشباح ، مخاوفنا، أوهامنا، السيارات المفخخة، العبوات الناسفة ، الدبابات ، طائرات الاباتشي، العقارب والأسود والذئاب وكل المفترسين.

نتجاوز خطايانا ونسقط في هوة خطايا الآخرين

الآخرون الذين لم يتوانوا عن بيعنا مرة تلو المرة

الآخرون الذين يرحلون تاركين قائمة الاتهام مفتوحة

ولأن القضاة نزيهين حد الطهارة

لابد ان يجعلوا لكل شخص تهمة ، ولا بد للقضية ان تبقى مفتوحة

نصبح متهمين .. والقتلة قضاة

***

لكي تكون مواطنا عليك ان تثبت براءتك

الكل متهم/وفوهات الأسلحة النارية تغتصب نظراتنا حيث اتجهنا.

استدر للتفتيش رجاء

نرضخ للأصابع الخشنة وهي تتحسس أجسادنا من فوق حتى القدمين

عليك ان تبرز أوراق براءتك حتى تستطيع المرور

فالطرقات مغلقة، والأبواب تربض خلف متاريس كونكريتية وجدران تتلو جدران، ومتاهة من الأسلاك الشائكة.

وأنا ضائع وسط طرقات تتكاثر فيها الأحداث كالطحالب الضارة.

ارتق أوهامي واقرر اختصار المسافات ، العودة بالزمن الى لحظة تاهت ما بين الكسل والعوز

اقترب من بوابة الأمل.. واقف

الذاهبون الى حيث ذهبت يتكاثرون

يتنافسون على إبداء مهاراتهم

يصطادون الفرص.. ينتهزونها.

يفتحون جعبهم ليجيدوا بما احتوت من أكاذيب وأوهام وحكايات الزمن الماضي والقدرة على صنع أكاذيب جديدة وأوهام جديدة.

في ذلك ليتنافس المتنافسون

هل نجحت؟!

اقرر خوض التجربة

الرمي بكل ما حلمت به طوال السنين الماضية وراء ظهري واترك أحلامي مركونة على رف عال.. أرافق من يجيد اصطياد الفرصة.. يجيد بيع الكلام.. رصفه على الورق، بيعه الى الموهومين بغد افضل فيقتاتوا على بقايا الأحاديث المزوقة بالوعود والأحلام والضلال.

أرتكن جانبا ، أوافق بصمتي الأحداث،فترافقني الهموم والخطايا والأوهام ، تتجاوزني.. تدعني وحيدا ارتق ما تبقى منها.. عسى ولعل.

***

في لحظة ما التقيته

كان يقود سيارته البيضاء ذاتها

والنظارة السوداء لا تزال لاصقة فوق عينيه

السلسلة الذهبية وحدها التي تغيرت في المشهد

قال انه أهدى السلسلة القديمة الى مسؤول جديد أبدى إعجابه بها ، أما هو فقد اشترى سلسلة جديدة صيغت على شكل خارطة العراق تعبيرا عن وطنيته!

كان العراق الذهبي يتأرجح بين يديه

وأحيانا حينما يضجر من مداعبته يرميه فوق أوراق تكدست فوق بعضها..

قال لي مفاخرا " بالأمس عدت من سفرة طويلة ، كانت المطارات مفتوحة لي وصالات العرض التي تبحث عن كل جديد تتسابق لاستضافتي، لم اترك شيئا إلا قلته والعراق كان حاضرا بين يدي وفي كلماتي، والحصيلة كانت رائعة.."

اصبح الوطن سلعة رائجة

هيا يا رجل ..! هل تبقى تحب الفقر كما أنت دائما





موسوعة و مكتبة دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل



موسوعة و مكتبة دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل